السادس من أكتوبر.. اليوم الذي عبر فيه المصريون المستحيل
أكتوبر.. ملحمة النصر | المقال الثاني| اعداد فريق تحرير جورنال مصر العظمى
من الساعة الثانية ظهرًا إلى تثبيت رؤوس الكباري شرق القناة..
كيف عبر آلاف الجنود قناة السويس، واقتحموا خط بارليف، وفتح المهندسون الطريق أمام الدبابات؟
كتب – جورنال مصر العظمى
لم يكن السادس من أكتوبر 1973 يومًا عاديًا في تاريخ مصر.
في ساعات قليلة، تحولت سنوات من التدريب والتخطيط والخداع والاستعداد إلى معركة حقيقية.
طائرات تعبر قناة السويس.
مدفعية تفتح نيرانها على امتداد الجبهة.
آلاف الجنود ينطلقون بالقوارب إلى الضفة الشرقية.
مهندسون يحملون مضخات المياه ومعدات الكباري.
وجنود يتسلقون الساتر الترابي ويهاجمون تحصينات خط بارليف.
كان المطلوب تنفيذ سلسلة شديدة التعقيد من العمليات في توقيت واحد تقريبًا:
عبور القناة.
اقتحام التحصينات.
فتح الممرات في الساتر الترابي.
إنشاء الكباري وتشغيل المعديات.
نقل الأسلحة الثقيلة والدبابات.
ثم تثبيت رؤوس الكباري ومواجهة الهجمات المضادة.
وفي ظهيرة السادس من أكتوبر..
بدأ التنفيذ.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
أولًا | الساعة 2:05.. السماء تعلن بداية الحرب
في نحو الثانية وخمس دقائق من ظهر السادس من أكتوبر 1973، انطلقت أكثر من 220 طائرة مصرية باتجاه أهداف محددة في سيناء.
عبرت الطائرات قناة السويس في توقيت متقارب وعلى ارتفاعات منخفضة، واتجه كل تشكيل إلى أهداف سبق تحديدها.
استهدفت الضربة مواقع ومراكز قيادة وسيطرة ورادارات ومواقع دفاع جوي ومدفعية ومطارات وأهدافًا عسكرية أخرى.
لم تكن الضربة الجوية معركة منفصلة.
كانت أول حركة في عملية أكبر.
ففي اللحظة التي كان فيها الطيران ينفذ مهمته، كانت آلاف المدافع على الجبهة تستعد لإطلاق واحدة من أهم عمليات التمهيد النيراني في الحرب.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
ثانيًا | عندما تكلمت المدافع
مع بداية الهجوم، فتحت المدفعية المصرية نيرانها على المواقع الإسرائيلية شرق قناة السويس.
وفي الدقيقة الأولى وحدها، تشير البيانات الرسمية المصرية إلى إطلاق نحو 10,500 قذيفة، بمعدل يقارب 175 قذيفة في الثانية.
كانت المهمة واضحة:
ضرب المواقع والتحصينات ومراكز النيران.
إرباك القوات المدافعة.
توفير غطاء للمشاة أثناء بدء العبور.
وتهيئة الظروف للهجوم على خط بارليف.
وبينما كانت المدفعية تضرب المواقع شرق القناة، كانت موجات المشاة تتحرك نحو المياه.
اللحظة التي تدرب عليها الجنود سنوات أصبحت حقيقة.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
ثالثًا | القوارب تنطلق.. وبدأ العبور
لم تبدأ عملية العبور بالدبابات.
بدأت بالجندي.
استخدمت القوات المصرية نحو ألف قارب اقتحام لعبور قناة السويس، وتحركت موجات المشاة تباعًا نحو الضفة الشرقية.
وتشير البيانات الرسمية المصرية إلى أن نحو 8 آلاف جندي كانوا قد وضعوا أقدامهم على الضفة الشرقية في المرحلة الأولى من الاقتحام.
لكن الوصول إلى الضفة الأخرى لم يكن نهاية المهمة.
أمام الجنود كان الساتر الترابي.
وخلفه تحصينات خط بارليف.
ومرابض للدبابات.
وأسلاك شائكة وألغام ونقاط نيران.
وكان عليهم أن يصعدوا.
استخدمت القوات نحو 1500 سلم للمساعدة في تسلق الساتر، بينما بدأت مجموعات المشاة في مهاجمة المواقع والنقاط الحصينة.
ولأول مرة منذ عام 1967، أصبح آلاف الجنود المصريين يقاتلون مرة أخرى على أرض سيناء.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
رابعًا | خط بارليف.. لم يكن مجرد «شوية رمل»
من أكثر الأخطاء التي تقلل من حجم ما حدث في السادس من أكتوبر تصوير خط بارليف باعتباره مجرد ساتر ترابي.
الساتر كان عنصرًا مهمًا من منظومة دفاعية أكبر.
على امتداد الضفة الشرقية للقناة أقامت إسرائيل نقاطًا حصينة مدفونة في الأرض، ذات ملاجئ وأسقف مصممة لتحمل القصف، تحيط بها الألغام والأسلاك الشائكة.
وبين المواقع كانت توجد مرابض للدبابات وطرق تسمح بتحرك القوات والاحتياطيات.
أما أمام هذه المنظومة فكانت قناة السويس نفسها.
أي أن المقاتل المصري كان مطالبًا أولًا بعبور مانع مائي، ثم تسلق ساتر ترابي، ثم الاشتباك مع المواقع الدفاعية، بينما يُنتظر وصول الاحتياطيات المدرعة الإسرائيلية لتنفيذ هجمات مضادة.
لهذا لم يكن التحدي:
كيف نعبر القناة فقط؟
بل:
كيف نعبر ونقاتل ونفتح الطريق للقوات الثقيلة ونثبت أقدامنا قبل أن يتمكن العدو من استعادة الموقف؟
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
خامسًا | المشكلة التي وقفت أمام الدبابات
نجاح المشاة في الوصول إلى الشرق لم يكن كافيًا.
فالحرب لا يمكن أن تستمر بالقوات الخفيفة وحدها.
كان لا بد من عبور:
الدبابات.
المدفعية.
الذخائر.
المركبات.
معدات الإمداد.
والأسلحة الثقيلة.
لكن الساتر الترابي كان يقف بين القناة وطرق الحركة في سيناء.
وكانت الطرق التقليدية لإزالة هذه الكميات الضخمة من الرمال تحتاج إلى معدات ووقت، بينما كل دقيقة تأخير تمنح القوات الإسرائيلية فرصة لتنظيم هجوم مضاد.
وهنا ظهر أحد أشهر الحلول الهندسية في تاريخ العسكرية المصرية.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
سادسًا | الماء الذي هزم الرمال
ارتبط الحل باسم اللواء المهندس باقي زكي يوسف.
خلال دراسته لمشكلة الساتر الترابي، اقترح استخدام قوة اندفاع المياه لتجريف الرمال وفتح الممرات.
فكرته استندت إلى خبرته السابقة في أعمال السد العالي، حيث كانت المياه تستخدم في تحريك كميات كبيرة من الرمال والتربة.
الفكرة بدت شديدة البساطة:
بدلًا من محاولة إزالة الجبل الرملي بالمعدات الثقيلة..
استخدم المياه نفسها.
وفي السادس من أكتوبر تحولت الفكرة إلى تنفيذ.
عبر رجال المهندسين العسكريين بمعداتهم، وثُبتت مضخات المياه، ثم اندفعت المياه بقوة إلى الساتر.
وبدأت الرمال تنهار.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
سابعًا | 350 مضخة.. و60 ممرًا
تشير البيانات الرسمية المصرية إلى استخدام نحو 350 مضخة مياه خلال العملية.
وخلال نحو ثماني ساعات تمكن المهندسون من فتح 60 ممرًا في الساتر الترابي.
لكن المهمة الهندسية لم تتوقف عند فتح الرمال.
كان لا بد من تحويل الممرات بسرعة إلى طرق تستطيع المعدات الثقيلة استخدامها.
وفي الوقت نفسه بدأ إنشاء الكباري وتشغيل المعديات.
وخلال الساعات الأولى أُنشئت 8 كباري ثقيلة و4 كباري خفيفة، وشُغلت نحو 30 معدية.
وهنا بدأت الصورة العسكرية تتغير.
لم يعد شرق القناة منطقة وصل إليها المشاة فقط.
بدأت الدبابات والمدفعية والمعدات الثقيلة تعبر إلى سيناء.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
ثامنًا | الكباري.. شرايين المعركة
يمكن بناء جسر في الظروف العادية خلال عملية هندسية منظمة.
لكن إقامة جسر عسكري أثناء حرب مختلفة تمامًا.
المهندسون يعملون تحت احتمال القصف الجوي والمدفعي.
المعدات يجب أن تصل في التوقيت الصحيح.
الممرات يجب أن تكون مفتوحة.
وحدات العبور تنتظر دورها.
والجسر بمجرد تشغيله يتحول إلى هدف عسكري مهم.
لذلك كانت الكباري والمعديات بمثابة شرايين للعملية.
من خلالها انتقلت الدبابات.
والمدفعية.
والذخائر.
والوقود.
والإمدادات.
ومع استمرار تدفق القوات، أصبح من الممكن تحويل مواقع المشاة الأولى إلى رؤوس كباري عسكرية أكثر قوة.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
تاسعًا | رؤوس الكباري.. العبور وحده لا يصنع النصر
في العمليات العسكرية، الوصول إلى الضفة الأخرى ليس الهدف النهائي.
إذا عبرت قوة ثم فشلت في تثبيت مواقعها، يمكن للعدو دفعها مرة أخرى نحو القناة.
لذلك كان الهدف منذ البداية تكوين رؤوس كباري شرق قناة السويس.
أي مناطق تتمركز داخلها القوات وتدافع عنها وتتوسع منها، بينما تستمر الإمدادات والأسلحة في العبور.
ومع حلول الساعات التالية، كانت القوات المصرية تعمل على تدعيم مواقعها شرق القناة وصد الهجمات المضادة.
وفي السابع من أكتوبر كانت القوات قد أنشأت خمسة رؤوس كباري رئيسية بعمق عدة كيلومترات شرق القناة.
أصبحت المعركة الآن مختلفة.
لم تعد مصر تحاول الوصول إلى سيناء.
كانت قواتها موجودة بالفعل على أرض سيناء وتقاتل لتثبيت وجودها.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
عاشرًا | لماذا نجح العبور؟
من السهل اختصار السادس من أكتوبر في صورة جندي يحمل العلم فوق الساتر.
لكن وراء تلك الصورة منظومة كاملة.
القوات الجوية ضربت أهدافها.
المدفعية وفرت التمهيد النيراني.
المشاة عبرت واقتحمت المواقع.
المهندسون فتحوا الممرات وأقاموا الكباري.
الدفاع الجوي وفر مظلة الحماية للقوات في نطاق عمله.
القوات البحرية نفذت مهامها ضمن خطة الحرب.
ووحدات الإشارة والإمداد والطبابة والنقل عملت للحفاظ على استمرار العملية.
كانت القوة الحقيقية في أن كل عنصر كان يعرف:
متى يتحرك.
وأين يتحرك.
وماذا يفعل.
لهذا لم تكن عبقرية السادس من أكتوبر في فكرة واحدة أو سلاح واحد.
كانت في تكامل الخطة.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
الحادي عشر | عندما سقط الرهان
بُنيت التحصينات الإسرائيلية شرق القناة على أساس أن اقتحامها سيشكل تحديًا بالغ الصعوبة أمام القوات المصرية.
لكن ما حدث في السادس من أكتوبر غيّر المعادلة.
القناة عُبرت.
الساتر فُتح.
تحصينات خط بارليف تعرضت للاقتحام والسقوط تباعًا.
الكباري أُنشئت.
الدبابات عبرت.
والقوات المصرية ثبتت مواقعها شرق القناة.
لم يكن ذلك يعني أن الحرب انتهت.
بل كانت المعارك الأكبر لا تزال قادمة.
الهجمات المضادة.
معارك المدرعات.
القتال الجوي.
تطور العمليات.
ثم الثغرة ومعارك السويس.
لكن في السادس من أكتوبر تحقق شيء لا يمكن فصله عن كل ما جاء بعده:
نجحت مصر في تغيير الوضع العسكري الذي استمر منذ 1967 بالقوة.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
وفي النهاية..
لم يهزم المصريون خط بارليف بالمياه وحدها.
ولم تصنع الضربة الجوية وحدها النصر.
ولم تكن المدفعية وحدها صاحبة المعركة.
ولم يكن العبور بطولة المشاة وحدهم.
لقد كان السادس من أكتوبر نتيجة عمل منظومة كاملة.
طيار أقلع وهو يعرف هدفه.
مدفعي ينتظر الثانية المحددة لفتح النار.
جندي حمل قاربه وعبر القناة.
مهندس شغّل مضخة المياه وفتح الرمال.
آخر أقام جسرًا تحت ظروف القتال.
دبابة انتظرت فتح الممر ثم عبرت إلى سيناء.
ودفاع جوي ظل يراقب السماء.
وفي الخلف قيادة تحاول إدارة آلاف التفاصيل في وقت واحد.
لهذا لم يكن السادس من أكتوبر مجرد يوم عبر فيه المصريون قناة السويس.
كان اليوم الذي تحولت فيه سنوات التخطيط والتدريب إلى حقيقة على الأرض.
المياه التي كانت مانعًا أصبحت طريقًا.
والرمال التي كانت حاجزًا فُتحت بالمياه.
والقناة التي فصلت الجيش المصري عن سيناء عبرها آلاف الرجال.
وعاد العلم المصري إلى الضفة الشرقية.
خط بارليف لم يكن مجرد شوية رمل وتراب..
ولهذا لم يكن عبوره مجرد عبور.
كان وراء كل متر تم اجتيازه تدريب وتخطيط وعلم ودماء وتضحيات.
وكان خلف كل علم ارتفع على الضفة الشرقية رجال قرروا أن المستحيل يمكن أن يُهزم.
━━━━━━━━━━━━━━━━━━
المقال القادم | 03/04
بعد العبور.. كيف قاتلت مصر لتثبيت النصر شرق القناة؟
ماذا حدث بعد نجاح السادس من أكتوبر؟
كيف واجهت القوات المصرية الهجمات الإسرائيلية المضادة؟
وما دور الدفاع الجوي والطيران والمدرعات والبحرية؟
وماذا حدث في معركة المنصورة وتطوير الهجوم وثغرة الدفرسوار؟
وكيف وصلت المعارك إلى مدينة السويس؟
في المقال الثالث من «أكتوبر.. ملحمة النصر» ننتقل من لحظة العبور إلى أصعب أيام الحرب ومعاركها.
#أكتوبر_ملحمة_النصر
#نصر_أكتوبر
#حرب_أكتوبر
#السادس_من_أكتوبر
#العبور
#خط_بارليف
#قناة_السويس
#باقي_زكي_يوسف
#المهندسين_العسكريين
#القوات_المسلحة_المصرية
#الجيش_المصري
#سيناء
#مصر
#جورنال_مصر_العظمى
#GreatEgyptJournal









