أحمد الزلاط : الشراكة مع القطاع الخاص لا تُقاس بحجم التمويل.. بل بجودة المشروعات والعائد الاقتصادي
الدكتور المهندس أحمد الزلاط : مشاركة القطاع الخاص في التنمية تتطلب عقودًا واضحة ومؤشرات أداء قابلة للقياس.. وتوزيع المخاطر بين الدولة والمستثمر شرط أساسي لنجاح المشروعات.

الزلاط: القطاع الخاص شريك في بناء الاقتصاد وليس مجرد ممول للمشروعات.. والنجاح الحقيقي يبدأ عندما تتحول الاستثمارات إلى خدمات وإنتاج وفرص عمل مستدامة
تدخل مصر مرحلة جديدة من التحول الاقتصادي تتزايد خلالها أهمية مشاركة القطاع الخاص في تمويل وتنفيذ وإدارة المشروعات الكبرى، بالتوازي مع توجه الدولة نحو تعزيز الاستثمار المنتج ورفع كفاءة الإنفاق وتحسين جودة الخدمات والبنية التحتية.
ومع استهداف خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية للعام المالي 2026/2027 استثمارات كلية تبلغ نحو 3.7 تريليون جنيه، بمساهمة مستهدفة للقطاع الخاص تصل إلى 59%، وفق البيانات الرسمية لوزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية، تتصاعد أهمية البحث عن آليات تضمن تحويل تلك الاستثمارات إلى قيمة اقتصادية حقيقية ومستدامة.
ولا يتعلق التحدي بحجم الأموال التي يمكن جذبها إلى السوق المصرية وحده، وإنما بكفاءة اختيار المشروعات، وجودة تنفيذها، وعدالة توزيع المخاطر، وقدرة المؤسسات على إدارة العقود ومراقبة النتائج طوال العمر التشغيلي للأصول.
وفي هذا السياق، يقدم الدكتور المهندس أحمد الزلاط، المتخصص في القيادة التنفيذية والتنمية العمرانية والبنية التحتية والاستثمار، رؤية اقتصادية تركز على ضرورة تطوير مفهوم الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص، بحيث يتجاوز توفير التمويل أو تنفيذ الأعمال الإنشائية إلى تحقيق نتائج تشغيلية واقتصادية واضحة يمكن قياسها ومحاسبة الأطراف على أساسها.
أحمد الزلاط: القطاع الخاص شريك في التنمية وليس مجرد مصدر للتمويل
أكد الدكتور المهندس أحمد الزلاط أن تعظيم دور القطاع الخاص في الاقتصاد المصري يتطلب التعامل معه باعتباره شريكًا في بناء القيمة الاقتصادية، وليس مجرد جهة تتولى تمويل مشروعات أو تنفيذ أعمال نيابة عن الدولة.
وأوضح أن مشاركة الشركات الخاصة يمكن أن تضيف إلى المشروعات خبرات فنية وإدارية وتكنولوجية وقدرات على الابتكار وتحسين كفاءة التشغيل، إلى جانب رأس المال المستثمر.
وقال الزلاط: «الهدف من الشراكة مع القطاع الخاص لا ينبغي أن يكون مجرد نقل تكلفة المشروع من الموازنة العامة إلى المستثمر، وإنما بناء نموذج اقتصادي يحقق للدولة خدمة أفضل، وللمستثمر عائدًا عادلًا، وللمواطن منفعة مستمرة».
وأشار إلى أن نجاح أي شراكة يعتمد على تحديد احتياجات المشروع بدقة، واختيار نموذج تعاقدي مناسب لطبيعته، ووضع مسؤوليات واضحة لكل طرف.
وأضاف أن وجود القطاع الخاص لا يضمن تلقائيًا خفض التكلفة أو رفع الجودة، وإنما يتوقف تحقيق هذه الأهداف على جودة تصميم العقود وكفاءة المنافسة والرقابة والقدرة على إدارة المخاطر.
وشدد على أهمية التمييز بين الاستثمارات الخاصة بوجه عام ومشروعات المشاركة بين القطاعين العام والخاص المعروفة اختصارًا باسم PPP؛ فليست كل استثمارات القطاع الخاص مشروعات مشاركة تعاقدية مع الدولة.
من عقود التنفيذ إلى عقود النتائج.. كيف يتغير مفهوم النجاح؟
وأوضح الدكتور أحمد الزلاط أن أحد الاتجاهات المهمة في إدارة المشروعات يتمثل في الانتقال من التركيز على الأعمال التي ينفذها المقاول أو المستثمر إلى التركيز على النتائج المطلوب تحقيقها خلال تشغيل المشروع.
ففي نموذج التعاقد التقليدي، قد ينصب الاهتمام على تنفيذ منشأة وفق الرسومات والمواصفات وتسليمها في الموعد المحدد.
أما في بعض نماذج المشاركة طويلة الأجل، فقد تمتد مسؤولية الطرف الخاص إلى التصميم والتمويل والإنشاء والتشغيل والصيانة، وفق إطار تعاقدي يحدد مستوى الخدمة المطلوب طوال مدة الاتفاق.
وقال الزلاط: «من المهم أن نسأل عند إعداد العقود: ما الخدمة التي نريد الحصول عليها؟ وما مستوى الجودة المطلوب؟ وكيف سنتأكد من استمرار هذا المستوى بعد خمس أو عشر سنوات؟ هذه الأسئلة ينبغي أن تكون جزءًا من القرار الاستثماري منذ البداية».
وأشار إلى أن تعريف النجاح وفق النتائج قد يغير طريقة اختيار الحلول الهندسية والتكنولوجية.
فإذا كان المطلوب إنشاء مرفق خدمي، فإن التقييم لا ينبغي أن يقتصر على اكتمال المباني والمعدات، وإنما يمتد إلى قدرة المرفق على العمل بالكفاءة المطلوبة وتحقيق مستوى الخدمة المتفق عليه.
وتتوافق هذه الرؤية مع الإرشادات المنشورة عبر مركز موارد الشراكة بين القطاعين العام والخاص التابع للبنك الدولي، التي تؤكد أهمية تحديد متطلبات الأداء وفق مخرجات قابلة للقياس، مع وضع آليات واضحة لمراقبة التنفيذ وتقييم جودة الخدمات.
مؤشرات الأداء.. كيف تتحول الجودة من وعود إلى التزام تعاقدي؟
لفت الدكتور المهندس أحمد الزلاط إلى أن العقود التي تعتمد على أوصاف عامة مثل «جودة عالية» أو «أفضل مستوى للخدمة» قد تفتح المجال أمام خلافات في تفسير الالتزامات، إذا لم تقترن بمؤشرات واضحة يمكن قياسها.
وأوضح أن جودة الخدمة يجب أن تُترجم إلى متطلبات محددة تختلف بحسب طبيعة المشروع.
ففي مشروعات المياه، قد تشمل المؤشرات مدى انتظام التشغيل، وجودة المياه المنتجة، وكفاءة استخدام الطاقة، والالتزام بالمعايير البيئية.
وفي مشروعات النقل، يمكن أن تشمل انتظام الخدمة، ومعدلات الإتاحة، والسلامة، وأزمنة الاستجابة للأعطال.
أما في المباني الإدارية والخدمية، فقد تشمل جاهزية الأنظمة الرئيسية، وانتظام أعمال الصيانة، وسرعة معالجة الأعطال، وكفاءة الطاقة، وجودة الخدمات المقدمة للمستخدمين.
وأكد الزلاط أن المؤشرات ينبغي أن تكون واقعية وقابلة للتحقق، وأن يتضمن العقد آلية واضحة لجمع البيانات ومراجعتها وتحديد المسؤولية عن أي إخفاق.
وأضاف: «العقد الجيد لا يكتفي بأن يطلب من المستثمر تقديم خدمة ممتازة، وإنما يحدد معنى الامتياز وكيفية قياسه، وما الذي يحدث إذا انخفض الأداء عن المستوى المتفق عليه».
وشدد على أن ربط بعض المستحقات أو الحوافز بمستويات الأداء، عندما يكون ذلك مناسبًا لطبيعة المشروع، يمكن أن يساعد على توجيه اهتمام الأطراف نحو جودة الخدمة طوال فترة التشغيل.
توزيع المخاطر.. لماذا لا يتحمل المستثمر كل شيء؟
أكد الدكتور المهندس أحمد الزلاط أن توزيع المخاطر يمثل أحد أهم العوامل التي تؤثر في جدوى مشروعات الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص.
وأوضح أن بعض التصورات تختزل الشراكة في تحميل المستثمر أكبر قدر ممكن من المخاطر، باعتبار أن ذلك يوفر حماية أكبر للمال العام.
لكن الواقع الاقتصادي أكثر تعقيدًا؛ لأن تحميل طرف بمخاطر لا يستطيع إدارتها بكفاءة قد يؤدي إلى رفع تكلفة التمويل أو زيادة الأسعار المطلوبة أو ضعف الإقبال على المشروع.
وقال الزلاط: «توزيع المخاطر لا يعني نقلها جميعًا إلى طرف واحد، وإنما إسناد كل مخاطرة إلى الجهة الأقدر على التحكم فيها أو تقليل آثارها. بهذه الطريقة تصبح الشراكة أكثر قدرة على الاستمرار».
وأشار إلى أن مخاطر التنفيذ قد تشمل التأخير أو تجاوز التكاليف أو عدم الالتزام بالمواصفات، بينما قد تتعلق مخاطر التشغيل بجودة الخدمة أو الأعطال أو ارتفاع بعض المصروفات.
أما مخاطر الطلب فتتعلق بحجم استخدام الخدمة أو الإقبال عليها، وقد تختلف الجهة الأقدر على تحملها بحسب طبيعة المشروع.
وأضاف أن المخاطر التنظيمية والتمويلية وتقلب أسعار الصرف تحتاج إلى معالجة تعاقدية واضحة، خاصة في المشروعات التي تعتمد على تمويل طويل الأجل أو معدات مستوردة.
ويؤكد البنك الدولي في أدلته الخاصة بهيكلة مشروعات المشاركة أهمية توزيع المخاطر على الأطراف الأقدر على إدارتها بأقل تكلفة ممكنة، بدلًا من افتراض أن القطاع الخاص يجب أن يتحمل جميع المخاطر بصورة تلقائية.
العائد الاستثماري وحماية المال العام.. معادلة تحتاج إلى توازن
وأوضح الدكتور أحمد الزلاط أن تحقيق عائد اقتصادي عادل للمستثمر لا يتعارض مع حماية المال العام، إذا جرى إعداد المشروع وفق دراسات جدوى دقيقة ونموذج تعاقدي متوازن.
وأشار إلى أن المستثمر يحتاج إلى وضوح التدفقات النقدية المتوقعة والالتزامات التعاقدية ومخاطر التمويل والتشغيل، بينما تحتاج الدولة إلى ضمان الحصول على الخدمة المستهدفة بالتكلفة والجودة المناسبتين.
وأكد أن العقد الذي يجعل المشروع غير مجدٍ للمستثمر قد يواجه صعوبات في التمويل أو التنفيذ، مثلما أن العقد الذي يحمّل الدولة التزامات غير مدروسة قد يخلق مخاطر مالية طويلة الأجل.
وقال الزلاط: «نجاح الشراكة لا يعني أن يحقق أحد الطرفين مكاسب على حساب الآخر، بل أن يكون المشروع قادرًا على تحقيق أهدافه الاقتصادية والخدمية مع توزيع عادل للمسؤوليات والعوائد والمخاطر».
ولفت إلى أهمية دراسة الالتزامات التي قد تتحملها الدولة خلال مدة التعاقد، بما فيها المدفوعات المستقبلية والضمانات المحتملة، وعدم الاكتفاء بقياس الأثر المالي خلال سنة بدء المشروع.
وتبرز أهمية هذه القضية في ضوء ما تناولته وثائق وزارة المالية المصرية بشأن ضرورة إدارة المخاطر المالية والالتزامات المحتملة المرتبطة بمشروعات المشاركة بين القطاعين العام والخاص.
التمويل طويل الأجل.. كيف يمكن جذب استثمارات جديدة للبنية التحتية؟
أشار الدكتور المهندس أحمد الزلاط إلى أن طبيعة مشروعات البنية التحتية تفرض تحديات تمويلية مختلفة عن كثير من الأنشطة التجارية قصيرة الأجل.
فالمشروعات الكبرى قد تحتاج إلى استثمارات أولية مرتفعة، بينما تتحقق إيراداتها أو منافعها الاقتصادية خلال سنوات طويلة.
وأوضح أن هذه الطبيعة تجعل تكلفة التمويل ومدته وسعر الفائدة ومخاطر العملة عناصر مؤثرة في الجدوى النهائية.
وفي هذا الإطار، بحثت وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية في سبتمبر 2026، بالتعاون مع مجموعة البنك الدولي ومؤسسات تمويل دولية، خطوات إطلاق آلية لضمان تمويل مشروعات البنية التحتية في مصر، تستهدف دعم التمويل طويل الأجل بالعملة المحلية وتقليل بعض مخاطر الاستثمار، مع التركيز على قطاعات تشمل الطاقة المتجددة والمياه والنقل.
وأكد الزلاط أن أدوات التمويل المبتكرة يمكن أن تسهم في جذب المستثمرين عندما تقترن بمشروعات مدروسة، وتوزيع واضح للمخاطر، وقدرة على الوفاء بالالتزامات.
وأضاف أن وجود التمويل لا يعالج بمفرده ضعف الجدوى الاقتصادية، وأن الخطوة الأولى يجب أن تكون التأكد من الحاجة الفعلية للمشروع وجدواه الفنية والاقتصادية.
المنافسة العادلة والشفافية.. أساس اختيار الشريك المناسب
أكد الدكتور المهندس أحمد الزلاط أن نجاح مشروعات المشاركة يبدأ قبل توقيع العقود، وتحديدًا من طريقة إعداد المشروع وطرحه واختيار الشريك.
وأوضح أن المنافسة العادلة تساعد على الوصول إلى عروض أكثر كفاءة، وتتيح مقارنة البدائل المختلفة من حيث التكلفة والجودة والخبرة والقدرة التمويلية والتشغيلية.
وأشار إلى أهمية ألا يعتمد اختيار المستثمر أو الشركة المنفذة على أقل سعر فقط، إذا كانت طبيعة المشروع تتطلب التزامات تشغيل وصيانة طويلة الأجل.
وقال الزلاط: «أقل عرض مالي ليس بالضرورة أفضل عرض اقتصادي. الأهم هو القدرة على تقديم الخدمة المطلوبة بجودة مستقرة وتكلفة إجمالية مناسبة طوال العمر التعاقدي للمشروع».
وأضاف أن تقييم الخبرات السابقة والقدرة الفنية والملاءة المالية ونظم الإدارة يمثل جزءًا ضروريًا من عملية الاختيار.
كما شدد على أهمية وضوح مستندات الطرح ومعايير التقييم، وإتاحة فرص تنافسية حقيقية، وتحديد آليات مراقبة الأداء بعد توقيع العقود.
وتشير الوحدة المركزية للمشاركة مع القطاع الخاص التابعة لوزارة المالية المصرية إلى أن من مهامها دراسة جدوى مشروعات المشاركة، وإعداد النماذج التعاقدية، وتحليل المخاطر، ووضع المعايير الفنية، ودعم إجراءات الطرح والتقييم.
الشركات المصرية.. كيف تستفيد المقاولات والصناعة من الشراكات الكبرى؟
وأوضح الدكتور المهندس أحمد الزلاط أن توسيع مشروعات المشاركة يمكن أن يفتح فرصًا أمام الشركات المصرية في قطاعات متعددة، وليس فقط أمام المؤسسات الاستثمارية الكبرى.
وأشار إلى أن تنفيذ المشروعات يتطلب منظومة واسعة من الأنشطة المرتبطة بالمقاولات والتوريدات والصناعات الهندسية ومواد البناء والخدمات الفنية والتشغيل والصيانة.
وأضاف أن الشركات المحلية تستطيع الاستفادة من هذه الفرص عندما تمتلك القدرات اللازمة للالتزام بمعايير الجودة والجداول الزمنية ومتطلبات السلامة والتوثيق الفني.
وأكد أن تعزيز المكون المحلي في المشروعات ينبغي أن يرتبط بالكفاءة والتنافسية والقدرة على الوفاء بالمواصفات، بما يساعد على تطوير سلاسل التوريد المحلية ورفع قدرات الشركات.
وقال الزلاط: «المشاركة الاقتصادية الحقيقية لا تقتصر على المستثمر الرئيسي الذي يوقع العقد، وإنما تمتد إلى المصانع والمقاولين والموردين والكوادر الفنية التي تدخل ضمن سلسلة تنفيذ وتشغيل المشروع».
وأشار إلى أن نقل المعرفة والخبرات الإدارية والتكنولوجية يمكن أن يمثل منفعة إضافية عندما تتضمن المشروعات برامج واضحة لتطوير الكفاءات المحلية.
هل تصلح الشراكة مع القطاع الخاص لجميع المشروعات؟
لفت الدكتور المهندس أحمد الزلاط إلى أهمية تجنب التعامل مع الشراكة باعتبارها نموذجًا مناسبًا لجميع المشروعات دون استثناء.
وأوضح أن اختيار أسلوب التنفيذ ينبغي أن يعتمد على دراسات تقارن بين البدائل المتاحة، سواء كان التنفيذ من خلال التعاقدات التقليدية أو الاستثمار الخاص أو نماذج المشاركة طويلة الأجل.
وتشمل هذه المقارنة حجم المخاطر، وتكلفة التمويل، والقدرات المؤسسية، وطبيعة الإيرادات أو الخدمة، والالتزامات المستقبلية، والقدرة على تحقيق أفضل قيمة مقابل المال.
وأضاف أن بعض المشروعات قد يكون من الأنسب تنفيذها أو إدارتها بصورة مباشرة، بينما قد تستفيد مشروعات أخرى من دمج التمويل والتصميم والتشغيل والصيانة في عقد طويل الأجل.
وأكد الزلاط أن القرار يجب أن تحكمه الجدوى الاقتصادية وجودة الخدمة والمصلحة العامة، وليس التوسع العددي في عقود المشاركة.
إدارة العقود بعد التوقيع.. أين يبدأ الاختبار الحقيقي؟
شدد الدكتور المهندس أحمد الزلاط على أن جودة إعداد العقود لا تغني عن وجود مؤسسات قادرة على إدارتها ومتابعتها طوال مدة التنفيذ والتشغيل.
وأوضح أن بعض المشروعات قد تمتد التزاماتها لسنوات طويلة، وهو ما يتطلب نظمًا واضحة للتقارير والمراجعة والتعامل مع التغيرات الاقتصادية والفنية.
وأشار إلى أهمية وجود فرق متخصصة تتابع مؤشرات الأداء وتراجع المستحقات والالتزامات، وتتعامل مع طلبات التغيير أو النزاعات وفق الإجراءات المنصوص عليها في العقد.
وقال الزلاط: «التوقيع على عقد جيد هو بداية الطريق وليس نهايته. نجاح الشراكة يتحدد بقدرة الأطراف على تطبيق الالتزامات ومراجعة الأداء واتخاذ القرارات في الوقت المناسب».
وأكد أن استخدام الأنظمة الرقمية في متابعة العقود يمكن أن يساعد على تحسين جودة البيانات وسرعة اكتشاف المشكلات، لكنه لا يلغي أهمية الرقابة المؤسسية والمراجعة الفنية المستقلة عند الحاجة.
وأضاف أن التوثيق المنتظم للأداء والتكاليف والتعديلات التعاقدية يسهم في تعزيز الشفافية واستخلاص الدروس التي يمكن الاستفادة منها في مشروعات لاحقة.
كيف نعرف أن الشراكة حققت نجاحًا اقتصاديًا حقيقيًا؟
أوضح الدكتور المهندس أحمد الزلاط أن تقييم نجاح مشروعات المشاركة يتطلب النظر إلى عدة مستويات مترابطة.
المستوى الأول يرتبط بكفاءة تنفيذ المشروع، من حيث الالتزام بالبرنامج الزمني والمواصفات والتكلفة التعاقدية.
أما المستوى الثاني فيتعلق بجودة التشغيل، ومدى توافر الخدمة واستمرارها، والالتزام بمؤشرات الأداء، والاستجابة للأعطال واحتياجات المستخدمين.
ويتمثل المستوى الثالث في الأثر الاقتصادي والمالي الأوسع، مثل تحسين كفاءة الخدمات، وتقليل بعض التكاليف الاقتصادية، ودعم النشاط الإنتاجي، وإدارة الالتزامات المالية بصورة مستدامة.
وأشار إلى أن نجاح المشروع في أحد هذه المستويات لا يعوض بالضرورة إخفاقه في المستويات الأخرى.
فقد يكتمل المشروع في الموعد المحدد دون أن يحقق جودة الخدمة المطلوبة، أو قد يقدم خدمة جيدة لكن بتكلفة أو التزامات مالية تتجاوز التقديرات المقبولة.
وأكد أن المقارنة بين النتائج الفعلية والأهداف الموضوعة قبل التنفيذ ضرورية للحكم على مدى نجاح المشروع بصورة موضوعية.
أحمد الزلاط: مستقبل الشراكة يقوم على جودة النتائج واستدامة القيمة
واختتم الدكتور المهندس أحمد الزلاط رؤيته بالتأكيد على أن توسع مشاركة القطاع الخاص في الاقتصاد المصري يمثل فرصة مهمة لتعزيز الاستثمار وتطوير الخدمات والبنية التحتية، لكنه يحتاج إلى منظومة متكاملة من التخطيط والحوكمة والتعاقد والإدارة والرقابة.
وأوضح أن نجاح هذه المنظومة يعتمد على وضوح الأهداف، واختيار المشروعات ذات الأولوية، وتحديد مؤشرات أداء واقعية، وتوزيع المخاطر بصورة مدروسة، وحماية حقوق جميع الأطراف.
وشدد على أن الدولة والمستثمر والمواطن لا ينبغي النظر إليهم باعتبارهم أطرافًا متعارضة المصالح، وإنما أصحاب مصالح يمكن تنظيمها من خلال عقود متوازنة ومؤسسات قادرة على المتابعة والمحاسبة.
وقال الزلاط: «الشراكة الناجحة هي التي تحقق منفعة واضحة للدولة، وعائدًا اقتصاديًا عادلًا للمستثمر، وخدمة حقيقية للمواطن. أما الاكتفاء بالإعلان عن حجم التمويل أو توقيع العقود فلا يمثل في حد ذاته دليلًا على نجاح المشروع».
وأضاف أن مستقبل المشروعات الكبرى يتطلب اهتمامًا أكبر بجودة النتائج، وليس فقط بحجم الاستثمارات أو عدد العقود الموقعة.
وأكد في ختام رؤيته أن المعيار الحقيقي لنجاح مشاركة القطاع الخاص في التنمية المصرية هو قدرة المشروعات على تقديم خدمات ومنتجات أفضل، وتوليد قيمة اقتصادية مستمرة، مع الحفاظ على المال العام واستدامة العوائد الاستثمارية.






