« ردع 300 ».. مصر تدخل مرحلة جديدة في صناعة القوة العسكرية وراجمات الصواريخ بعيدة المدى

من قلب المصانع الحربية المصرية إلى منصات التسليح الحديثة.. منظومة صاروخية مجنزرة يصل مداها المعلن إلى 300 كيلومتر، تعكس تطور الصناعة الدفاعية المصرية وتفتح آفاقًا جديدة لتوطين التكنولوجيا وتعزيز قدرات الردع.
✍️منة الله زكريا | جورنال مصر العظمى | تقرير خاص

تشهد الصناعات العسكرية المصرية مرحلة جديدة من التطور، مع التوسع في إنتاج المعدات الدفاعية المتقدمة وتوطين تكنولوجيا التسليح، في إطار استراتيجية تستهدف تعزيز قدرات القوات المسلحة المصرية، وتقليل الاعتماد على استيراد المنظومات العسكرية الجاهزة، وبناء قاعدة صناعية وطنية قادرة على مواكبة التطورات المتسارعة في تكنولوجيا الدفاع.

وفي مقدمة هذه التطورات تبرز منظومة «ردع 300»، إحدى أحدث راجمات الصواريخ الموجهة متعددة الأعيرة التي كشفت عنها مصر خلال المعرض الدولي للصناعات الدفاعية «إيديكس 2025»، لتصبح نموذجًا مهمًا على تطور القدرات المصرية في دمج المنصات المدرعة مع أنظمة الصواريخ بعيدة المدى.
ولا تقتصر أهمية المنظومة على مداها الصاروخي، بل تمتد إلى طبيعة تصميمها المجنزر، ومرونتها في استخدام ذخائر مختلفة، وما تعكسه من توجه نحو تطوير حلول دفاعية تجمع بين التصنيع المحلي والتعاون التكنولوجي الدولي.
أولًا: «ردع 300».. ظهور مصري جديد في معرض إيديكس 2025

في الأول من ديسمبر 2025، أعلنت وزارة الإنتاج الحربي المصرية رسميًا الكشف عن راجمة الصواريخ المجنزرة «ردع 300»، ضمن مجموعة من المنتجات الدفاعية الجديدة التي عرضتها مصر خلال النسخة الرابعة من معرض مصر الدولي للصناعات الدفاعية.
وأكد المهندس محمد صلاح الدين مصطفى، وزير الدولة للإنتاج الحربي آنذاك، أن المنظومة تتميز بقدرتها على إطلاق صواريخ موجهة متعددة الأعيرة، والتعامل مع أهداف تصل مسافتها إلى 300 كيلومتر، مع إمكانية التحرك على الطرق الممهدة وغير الممهدة بسرعة تصل إلى 40 كيلومترًا في الساعة.
ويمثل ظهور هذه المنظومة تطورًا مهمًا في مسار الصناعات الدفاعية المصرية، خاصة مع الاتجاه إلى تطوير منصات محلية قادرة على استيعاب تكنولوجيات تسليح متقدمة.
ثانيًا: ما هي منظومة «ردع 300»؟
«ردع 300» هي راجمة صواريخ متعددة الأعيرة مثبتة على مركبة مدرعة مجنزرة، صُممت لتوفير قدرات نيرانية بعيدة المدى مع الحفاظ على إمكانية التحرك في البيئات الصحراوية والتضاريس الصعبة.
وتختلف المنظومة عن راجمات الصواريخ التقليدية ذات العيار الواحد، إذ تعتمد على وحدات إطلاق قابلة للتغيير، تسمح باستخدام أنواع مختلفة من الصواريخ بحسب طبيعة المهمة والمسافة المستهدفة.
وبحسب البيانات الفنية التي نشرتها مجلة Janes المتخصصة في الشؤون الدفاعية، تتضمن خيارات التسليح المعلنة للمنظومة:
- صواريخ عيار 122 ملم، بعدد يصل إلى 20 صاروخًا في وحدة الإطلاق.
- صواريخ عيار 220 ملم، بعدد 6 صواريخ، وبمدى يتراوح بين 25 و75 كيلومترًا.
- صواريخ عيار 300 ملم، بعدد 4 صواريخ، وبمدى يتراوح بين 30 و150 كيلومترًا.
- صاروخ عيار 610 ملم، بمدى يتراوح بين 100 و290 كيلومترًا وفق البيانات الفنية المتخصصة.
وتمنح هذه المرونة المنظومة القدرة على التعامل مع مستويات مختلفة من متطلبات الدعم النيراني بعيد المدى.
ثالثًا: المواصفات الفنية للمنظومة المصرية
تشير المعلومات الفنية المنشورة عن النموذج الذي ظهر في معرض إيديكس 2025 إلى مجموعة من الخصائص المهمة، أبرزها:
المدى الصاروخي: يصل إلى 300 كيلومتر وفق الإعلان الرسمي المصري، بينما تشير المواصفات التفصيلية المنشورة لبعض الذخائر إلى مدى يبلغ 290 كيلومترًا.
الوزن: نحو 20 طنًا.
الطول: نحو 7 أمتار.
العرض: نحو 2.85 متر.
الارتفاع: نحو 4.5 متر.
السرعة القصوى: 40 كيلومترًا في الساعة.
مدى الحركة: نحو 450 كيلومترًا.
المحرك: محرك ديزل بقدرة تقارب 385 حصانًا.
طبيعة الحركة: منصة مجنزرة مخصصة للعمل على الطرق الممهدة والتضاريس غير الممهدة.
كما تتضمن المنظومة نظامًا للتحكم في النيران، مع إمكانية استقبال بيانات الأهداف عبر منظومة القيادة والسيطرة، إلى جانب آليات لإعادة التلقيم وتوجيه القاذف.
وتوضح هذه الخصائص أن «ردع 300» ليست مجرد منصة تحمل صواريخ، وإنما منظومة متكاملة تجمع بين الحركة المدرعة وإدارة النيران وتعدد خيارات التسليح.
رابعًا: هل «ردع 300» صناعة مصرية بالكامل؟
يمثل هذا السؤال أحد أهم الجوانب التي تستحق التوضيح عند الحديث عن تطور الصناعة العسكرية المصرية.
فالمنظومة ظهرت ضمن المنتجات التي أعلنتها وزارة الإنتاج الحربي، مع وجود مساهمة مصرية في تطوير وتصنيع المنصة المجنزرة ودمج المكونات.
وفي المقابل، تشير تقارير دفاعية متخصصة، بينها Janes وEDR Magazine، إلى أن منظومة الإطلاق تستند إلى تكنولوجيا مرتبطة بمنظومة SR5 الصينية التي تنتجها شركة نورينكو، مع استخدام منصة مجنزرة مصرية مطورة.
وبالتالي، فإن التوصيف الفني الأدق هو أن «ردع 300» تمثل مشروعًا مصريًا في مجال التصنيع والتطوير ودمج الأنظمة العسكرية، يستفيد من التعاون التكنولوجي الدولي، وليس منظومة ثبت استقلال جميع مكوناتها وتكنولوجياتها عن الموردين الأجانب.
ولا ينتقص هذا التوضيح من القيمة الصناعية للمشروع؛ فتوطين التصنيع ونقل المعرفة الهندسية ودمج الأنظمة المعقدة تمثل جميعها مراحل مهمة في بناء صناعات دفاعية وطنية أكثر استقلالًا.
خامسًا: لماذا تمثل «ردع 300» إضافة مهمة لقدرات الردع؟
تكتسب راجمات الصواريخ بعيدة المدى أهمية متزايدة في الجيوش الحديثة، نظرًا لقدرتها على توفير دعم نيراني واسع النطاق والتعامل مع أهداف على مسافات كبيرة.
وتبرز أهمية «ردع 300» في عدة جوانب استراتيجية.
أولها تعدد الأعيرة، بما يوفر مرونة أكبر في اختيار الذخيرة المناسبة للمهمة.
وثانيها اعتمادها على منصة مجنزرة، تمنحها قدرة على التحرك في التضاريس الوعرة والصحراوية.
وثالثها إمكانية دمجها مع أنظمة القيادة والسيطرة، بما يعزز الاستفادة من المعلومات الميدانية وإدارة النيران.
أما الجانب الرابع، فيتمثل في القيمة الصناعية والتكنولوجية للمشروع، باعتباره تجربة لتطوير منظومات تسليح معقدة داخل القاعدة الصناعية المصرية.
ومع ذلك، فإن الإعلان عن قدرات المنظومة لا يعني بالضرورة دخولها الخدمة التشغيلية على نطاق واسع؛ إذ أفادت تقارير متخصصة عقب معرض إيديكس 2025 بأن النموذج خضع للاختبارات والموافقة الفنية، بينما كانت إجراءات التعاقد لا تزال قيد المناقشة في ذلك الوقت.
سادسًا: من «رعد 200» إلى «ردع 300».. تطور في الصناعة الدفاعية
لا يمكن النظر إلى «ردع 300» بمعزل عن مشروعات التطوير السابقة التي شهدتها الصناعات العسكرية المصرية.
فخلال معرض إيديكس 2023، ظهرت راجمة الصواريخ «رعد 200»، قبل أن تعلن وزارة الإنتاج الحربي لاحقًا تطوير منظومة التحكم في القاذف من النظام الكهربائي إلى النظام الهيدروليكي، مع تحسين آليات التوجيه.
ويعكس ظهور «ردع 300» بعد ذلك بعامين اتجاهًا نحو توسيع نطاق القدرات الصاروخية والتعامل مع ذخائر مختلفة ومديات أطول.
ويكشف هذا التطور عن أهمية التراكم الصناعي والهندسي، حيث ترتبط صناعة المنظومات العسكرية الحديثة بقدرة المؤسسات على الاستفادة من المشروعات السابقة، وتطوير التصميمات، وتدريب الكوادر، واستيعاب تكنولوجيا جديدة.
سابعًا: توطين الصناعات العسكرية.. استراتيجية مصرية لتعزيز الأمن القومي
تأتي منظومة «ردع 300» ضمن توجه أوسع للدولة المصرية، بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي، نحو تطوير الصناعات العسكرية وتوطين التكنولوجيا الحديثة.
وقد شهد معرض إيديكس 2025 الإعلان عن منتجات دفاعية أخرى، من بينها مركبة الإصلاح والنجدة المدرعة «سينا 806»، وتطوير المدفع الثنائي عيار 23 ملم، فضلًا عن التوسع في إنتاج الصلب المدرع محليًا.
كما أعلنت وزارة الإنتاج الحربي عن التقدم في مشروع توطين تصنيع منظومة المدفعية ذاتية الحركة K9 A1 EGY عيار 155 ملم، في إطار التعاون الصناعي مع شركاء دوليين.
وتعكس هذه المشروعات اهتمامًا بتطوير سلسلة متكاملة من الصناعات، تشمل المنصات المدرعة، والذخائر، والمدفعية، والمكونات المعدنية، وأنظمة الدعم الفني.
وتكمن الأهمية الاقتصادية والاستراتيجية لهذا التوجه في بناء قدرات محلية على التصنيع والصيانة والتطوير، وتوفير خبرات هندسية متخصصة يمكن أن تسهم في استدامة الصناعات الدفاعية على المدى الطويل.
ثامنًا: هل تفتح «ردع 300» الباب أمام صادرات عسكرية مصرية جديدة؟
يمثل التصدير أحد المسارات المحتملة أمام المشروعات الدفاعية التي تنجح في تحقيق مستويات مناسبة من الجودة والاعتمادية والقدرة التنافسية.
وبحسب ما نقلته Janes عن ممثل للهيئة العربية للتصنيع خلال معرض إيديكس 2025، فإن الترتيبات التكنولوجية المرتبطة بالمنظومة تسمح بتصديرها إلى أسواق خارجية.
ويمكن أن تمثل هذه الإمكانية فرصة مستقبلية للصناعات الدفاعية المصرية، خاصة في الأسواق التي تبحث عن منظومات متعددة الأعيرة تعتمد على منصات مجنزرة.
لكن تحويل الإمكانية إلى صادرات فعلية يتطلب عقودًا معلنة واعتمادات فنية وترتيبات دعم وصيانة وتوريد، وهي أمور لا يمكن افتراض تحققها بمجرد عرض المنظومة في معرض دفاعي.
تاسعًا: إيديكس.. منصة لعرض تطور القدرات الصناعية المصرية
أصبح معرض مصر الدولي للصناعات الدفاعية «إيديكس» أحد أبرز الفعاليات الدفاعية التي تستضيفها المنطقة، بما يوفر فرصة لعرض المنتجات المصرية والتواصل مع الشركات والمؤسسات العسكرية الدولية.
وشهدت نسخة 2025 مشاركة أجنحة دولية من 25 دولة، إلى جانب وفود رسمية من أكثر من 100 دولة، وفق البيانات الرسمية المصرية.
ويمثل المعرض فرصة مهمة أمام الصناعات الدفاعية الوطنية لعرض قدراتها، واستكشاف مجالات التعاون التكنولوجي، وتوسيع العلاقات الصناعية والتجارية.
وفي هذا السياق، جاء عرض «ردع 300» ليؤكد حضور مصر في مجال تطوير ودمج منظومات التسليح الحديثة، ضمن منظومة صناعية تسعى إلى توسيع قدراتها الإنتاجية والتكنولوجية.
عاشرًا: القوة العسكرية تبدأ من المصنع
تؤكد التجارب الدولية أن امتلاك قاعدة صناعية دفاعية متطورة يمثل أحد العناصر المهمة في بناء الأمن القومي للدول.
فالصناعة العسكرية لا تقتصر على إنتاج المعدات والأسلحة، بل تشمل البحث العلمي والهندسة والتصميم والاختبار وإدارة الجودة وتطوير سلاسل الإمداد وتأهيل العنصر البشري.
ومن هنا تبرز القيمة الحقيقية للمشروعات المصرية الحديثة؛ فهي تفتح المجال أمام تراكم الخبرات وتعميق المكون المحلي، وتدعم قدرة المؤسسات الصناعية على التعامل مع تكنولوجيات أكثر تعقيدًا.
ويمثل تطوير «ردع 300» خطوة ضمن هذا المسار، مع استمرار الحاجة إلى توسيع التصنيع المحلي وتطوير المكونات والأنظمة ذات القيمة التكنولوجية المرتفعة.
الخاتمة: «ردع 300».. رسالة مصرية بأن صناعة القوة تبدأ من امتلاك المعرفة
لا تكمن الرسالة الأهم وراء ظهور «ردع 300» في مدى الصواريخ وحده، وإنما في التوجه نحو بناء قدرات صناعية وهندسية وطنية تستطيع المشاركة في إنتاج منظومات دفاعية متقدمة.
فبين تطوير المنصات المجنزرة وتوطين الصناعات المعدنية ودمج أنظمة التسليح الحديثة، تواصل مصر العمل على تعزيز قاعدة إنتاجها العسكري، والاستفادة من التعاون الدولي في نقل التكنولوجيا والخبرة.
وتظل قوة الردع الحقيقية نتاجًا لتكامل القوات المسلحة مع الصناعة الوطنية والبحث العلمي والتخطيط الاستراتيجي، وليس مجرد امتلاك منظومة سلاح منفردة.
ومع كل مشروع صناعي جديد، تتقدم مصر خطوة أخرى نحو هدف استراتيجي واضح: أن تكون أكثر قدرة على إنتاج احتياجاتها الدفاعية، وأكثر استقلالًا في تطوير قدراتها، وأكثر استعدادًا لحماية أمنها القومي.
«ردع 300».. ليست مجرد راجمة صواريخ، بل عنوان لمرحلة تتقدم فيها الصناعة العسكرية المصرية نحو آفاق تكنولوجية جديدة.
جورنال مصر العظمى — مصر تصنع المستقبل وتحميه.






