“بالموانئ الحديثة… مصر تفرض نفسها قوة بحرية عالمية وتعيد رسم خريطة التجارة الدولية”

“بالموانئ الحديثة… مصر تفرض نفسها قوة بحرية عالمية وتعيد رسم خريطة التجارة الدولية”

د.م. أحمد الزلاط: تطوير الموانئ مشروع قومي ينقل مصر من ممر عبور إلى قوة تصنع قواعد التجارة العالمية

قال الدكتور المهندس أحمد الزلاط إن ما تشهده مصر حاليًا في ملف تطوير الموانئ «لا يمكن اختزاله في كونه مشروع بنية تحتية أو تحديث مرافق نقل»، مؤكدًا أن الأمر يمثل مشروعًا قوميًّا استراتيجيًّا متكاملًا يعيد رسم موقع الدولة المصرية داخل خريطة الاقتصاد العالمي.

وأوضح الزلاط أن الدولة المصرية «تخوض اليوم واحدة من أهم معاركها الاقتصادية بهدوء شديد»، مشيرًا إلى أن الموانئ أصبحت في القرن الحادي والعشرين ساحة صراع دولي لا تقل خطورة عن ميادين السياسة أو الأمن.

—————————————————————

⬛أرقام تعكس حجم التحول

وأشار الزلاط إلى أن مصر تعمل حاليًا على تطوير 14 ميناءً تجاريًا من أصل 19 ميناءً، بالتوازي مع إنشاء 5 موانئ جديدة بالكامل وفق أحدث المعايير العالمية، لافتًا إلى أن هذا الحجم من العمل المتزامن «لا تقوم به دولة تبحث عن تحسين خدماتها فقط، بل دولة تستعد لدور أكبر داخل النظام التجاري العالمي».

وأضاف أن نتائج هذا التوجه بدأت تظهر سريعًا، موضحًا أن ميناءي بورسعيد والإسكندرية دخلا قائمة أفضل 100 ميناء حاويات في العالم لعام 2025 وفق تصنيف Lloyd’s List، وهو تصنيف دولي يعتمد على معايير صارمة تتعلق بالكفاءة التشغيلية والطاقة الاستيعابية وسرعة التداول والربط اللوجستي.

وأكد الزلاط أن «دخول موانئ مصرية هذا التصنيف العالمي يعني بوضوح أن مصر خرجت من إطار الموانئ الإقليمية، ودخلت نادي الموانئ الدولية المؤثرة».

—————————————————————

⬛الموانئ… لغة القوة الجديدة

وشدد الزلاط على أن العالم لم يعد يُدار فقط بالقوة العسكرية، موضحًا أن «أكثر من 90% من تجارة العالم تمر عبر البحر، وأن من يسيطر على الموانئ والممرات البحرية وسلاسل الإمداد يمتلك أوراق ضغط اقتصادية وسياسية هائلة».

وأضاف أن الصراع الدولي اليوم «يدور حول من يتحكم في حركة البضائع، وزمن وصولها، وتكلفتها»، مؤكدًا أن الموانئ تحولت إلى أدوات نفوذ استراتيجي في يد الدول الكبرى والدول الصاعدة على حد سواء.

—————————————————————

⬛تمدد محسوب خارج الحدود

وفي هذا السياق، أوضح الزلاط أن التحرك المصري «لم يقتصر على الداخل فقط»، بل امتد إلى العمق الاستراتيجي للبحر الأحمر، أحد أخطر مسارح الصراع التجاري في العالم.

وأشار إلى الاتفاقية التاريخية التي أُبرمت في نهاية عام 2025 لتطوير ميناء دوراليه في جيبوتي، مؤكدًا أن هذا الميناء يمثل عقدة حيوية مطلة على باب المندب تمر عبرها نسبة ضخمة من تجارة آسيا وأوروبا.

كما لفت إلى الاتفاق مع إريتريا لتحسين وتطوير موانئ بحرية هناك، وعلى رأسها ميناء عصب، موضحًا أن هذه الخطوات «تعزز الوجود المصري على الساحل الغربي للبحر الأحمر، وتؤمّن ظهر قناة السويس استراتيجيًا».

وأكد الزلاط أن هذا التمدد البحري «يكسر احتكار قوى إقليمية ودولية لموانئ وسواحل حساسة»، واصفًا إياه بأنه نفوذ بحري ذكي بلا ضجيج سياسي.

—————————————————————

⬛الجيم الكبير في صمت

وقال الزلاط إن ما تفعله مصر في ملف الموانئ «هو Game استراتيجي رفيع المستوى»، موضحًا أنه يتم:
▪️دون صدام مباشر
▪️دون استعراض سياسي
▪️دون ضجيج إعلامي
وأضاف أن النتائج واضحة، حيث «تسحب مصر الفرص من موانئ منافسة، وتعيد توجيه خطوط الشحن العالمية، وتفرض نفسها كحل آمن ومستقر في عالم يشهد اضطرابات متزايدة».

وأكد أن هذا التحرك جعل مصر «منافسًا مباشرًا لدول كانت تهيمن على مراكز الشحن»، وفي الوقت نفسه «لاعبًا لا غنى عنه لدول تبحث عن الاستقرار والموثوقية».

—————————————————————

⬛اقتصاد ما بعد الموانئ

وأشار الزلاط إلى أن الاستثمار في الموانئ «لا يقتصر على رسوم عبور أو تداول حاويات»، بل يفتح الباب أمام منظومة اقتصادية متكاملة تشمل:
▪️مناطق صناعية مرتبطة بالموانئ
▪️مراكز لوجستية وإعادة تصدير
▪️جذب استثمارات أجنبية مباشرة
▪️زيادة الصادرات وتقليل تكلفة الاستيراد
وأوضح أن الدراسات العالمية تؤكد أن «كل دولار يُستثمر في الموانئ والخدمات اللوجستية يمكن أن يحقق عدة أضعافه في الناتج المحلي»، مشيرًا إلى أن الدول المالكة لموانئ محورية تتحول تلقائيًا إلى مراكز ثقل اقتصادي إقليمي.

—————————————————————

⬛الخلاصة

واختتم دكتور مهندس أحمد الزلاط تصريحاته بالتأكيد على أن ما يحدث اليوم «ليس مشروع قطاع، بل مشروع دولة يعيد تعريف موقع مصر الجغرافي ودورها في التجارة العالمية ووزنها في الصراع الدولي القادم».
وقال:
«لم تعد مصر مجرد طريق تمر به التجارة، بل أصبحت دولة يُعاد عندها حساب مسار التجارة نفسها».
وأكد الزلاط أن مصر، بهذه الرؤية، «تحجز مكانها المستحق على خريطة العالم الجديد كقوة بحرية اقتصادية صاعدة، تعرف ماذا تريد، وكيف تصل إليه، ومتى تعلن عن نفسها».

أخبار ذات صلة