الأربعاء 2026/10/28

من النكسة إلى ساعة الصفر.. كيف أعادت مصر بناء جيشها واستعدت للحرب؟ أكتوبر

من النكسة إلى ساعة الصفر.. كيف أعادت مصر بناء جيشها واستعدت للحرب؟

أكتوبر.. ملحمة النصر | المقال الأول| اعداد فريق تحرير جورنال مصر العظمى

من يونيو 1967 إلى ظهر السادس من أكتوبر 1973، مرت مصر بواحدة من أصعب مراحل تاريخها الحديث.

ست سنوات فصلت بين الهزيمة ولحظة العبور.

لكن ما حدث خلالها لم يكن مجرد انتظار لحرب جديدة.

كان إعادة بناء لجيش، واستنزافًا لخصم، وتطويرًا للتسليح، وبناءً لمنظومة دفاع جوي، وتدريبًا مستمرًا، وجمعًا للمعلومات، وتخطيطًا لعملية عسكرية شديدة التعقيد، وصولًا إلى خطة خداع استراتيجي أخفت موعد الحرب حتى اللحظات الأخيرة.

وعندما جاءت الساعة الثانية من ظهر السادس من أكتوبر 1973، لم تكن مصر تبدأ حربًا خُطط لها في أيام أو أسابيع.

كانت تنفذ خلاصة سنوات كاملة من الاستعداد.

هذه هي قصة الطريق إلى أكتوبر.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

أولًا | 1967.. عندما أصبح بناء الجيش هو المعركة الأولى

بعد حرب يونيو 1967 واحتلال سيناء، وجدت مصر نفسها أمام تحدٍ يتجاوز مجرد تعويض الأسلحة والمعدات التي فقدتها.

كان المطلوب إعادة بناء القدرة القتالية للقوات المسلحة نفسها.

إعادة تنظيم الوحدات.

استيعاب أسلحة جديدة.

تطوير التدريب.

إعادة تقييم أساليب القيادة والسيطرة.

رفع كفاءة القوات الجوية والدفاع الجوي.

واستعادة ثقة المقاتل في قدرته على مواجهة القوات الإسرائيلية مرة أخرى.

بدأت عملية إعادة البناء في ظروف صعبة، بينما كانت القوات الإسرائيلية موجودة على الضفة الشرقية لقناة السويس.

لم تكن مصر تملك رفاهية بناء جيشها بعيدًا عن الجبهة.

كان البناء يتم بينما العدو يقف على الجانب الآخر من القناة.

ومن هنا بدأت مرحلة جديدة:

إعادة البناء تحت النار.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

ثانيًا | حرب الاستنزاف.. المدرسة التي سبقت أكتوبر

لم تنتظر مصر حتى عام 1973 لكي تعود إلى القتال.

بين عامي 1967 و1970 أصبحت جبهة قناة السويس مسرحًا لما عُرف باسم «حرب الاستنزاف».

لم يكن الهدف في هذه المرحلة شن حرب تحرير شاملة قبل اكتمال الاستعداد، وإنما استنزاف القوات الإسرائيلية، ومنعها من تحويل احتلال سيناء إلى وضع مستقر، وفي الوقت نفسه إعادة تدريب القوات المصرية واكتساب خبرة القتال الحقيقي.

شهدت الجبهة قصفًا مدفعيًا وعمليات إغارة وعبورًا لقوات إلى الضفة الشرقية واشتباكات جوية وعمليات لقوات الصاعقة وغيرها من صور القتال.

وأصبحت الجبهة مدرسة مفتوحة.

الجندي يتدرب ويقاتل.

القائد يخطط وينفذ.

الوحدات تختبر أسلحتها.

والقيادة تدرس العدو في ميدان حقيقي.

ولهذا لم تكن حرب الاستنزاف مجرد مرحلة بين حربين.

كانت واحدة من أهم المراحل التي صنعت جيش أكتوبر.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

ثالثًا | حائط الصواريخ.. عندما تغيرت معادلة السماء

كان التفوق الجوي الإسرائيلي أحد أكبر التحديات أمام أي خطة مصرية لعبور قناة السويس.

فأي قوات تعبر إلى سيناء دون حماية جوية فعالة يمكن أن تصبح هدفًا للطيران المعادي.

لذلك أصبح بناء منظومة دفاع جوي قوية شرطًا أساسيًا لأي عملية هجومية مستقبلية.

وخلال حرب الاستنزاف جرى استكمال منظومة الدفاع الجوي، ودُفعت مواقع الصواريخ تدريجيًا إلى الأمام حتى اقتربت من جبهة القناة.

ومع تكامل الصواريخ والمدفعية المضادة للطائرات والرادارات وشبكات الإنذار والقيادة، تشكل ما عُرف باسم:

«حائط الصواريخ».

ولم تكن أهميته في إسقاط الطائرات فقط.

أهميته الاستراتيجية أنه ساعد في توفير مظلة دفاع جوي تستطيع القوات البرية أن تعمل تحت حمايتها خلال المراحل الأولى من الحرب.

وهكذا أصبح الدفاع الجوي جزءًا أساسيًا من معادلة العبور قبل أن يبدأ العبور نفسه.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

رابعًا | سنوات من التدريب على يوم لم يأتِ بعد

خلف الجبهة كان هناك سباق آخر.

سباق التدريب.

فعبور قناة السويس لم يكن مجرد انتقال جنود من ضفة إلى أخرى.

القوات كان عليها أن تعبر مانعًا مائيًا، وتقتحم ساترًا ترابيًا، وتهاجم نقاطًا حصينة، وتفتح ممرات، وتنشئ الكباري، وتنقل المدفعية والدبابات والمعدات الثقيلة، ثم تواجه الهجمات المضادة وتحافظ على المواقع التي استولت عليها.

كل خطوة كانت تحتاج إلى توقيت.

وكل وحدة كانت تحتاج إلى معرفة مهمتها.

وكل فرع من أفرع القوات المسلحة كان عليه أن يعمل داخل خطة واحدة.

لذلك تكررت التدريبات والمشروعات التعبوية والمناورات.

وكان المطلوب ألا يصبح العبور فكرة يعرفها القادة فقط، وإنما إجراءات يستطيع المقاتل تنفيذها عندما تأتي اللحظة.

ومع الوقت، بدأت الخطط تتحول من تصورات على الخرائط إلى مهام تدرب عليها الرجال مرارًا.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

خامسًا | كيف تتحول قناة السويس من حاجز إلى طريق؟

كانت أمام المخطط المصري معضلة هندسية ضخمة.

قناة السويس مانع مائي.

وعلى الضفة الشرقية يوجد ساتر ترابي مرتفع.

وخلفه تحصينات خط بارليف.

وحتى إذا نجح المشاة في العبور، فكيف ستصل إليهم الدبابات والمدفعية والمعدات؟

هنا أصبحت الهندسة العسكرية جزءًا من قلب خطة الحرب.

وكان أحد أشهر الحلول هو استخدام مضخات المياه عالية الضغط لفتح ممرات داخل الساتر الترابي.

وارتبطت الفكرة باسم اللواء المهندس باقي زكي يوسف، الذي استفاد من خبرته السابقة في أعمال السد العالي واقترح استخدام قوة المياه في تجريف الرمال بدلًا من الاعتماد الكامل على الوسائل الميكانيكية التقليدية.

كانت الفكرة بسيطة في ظاهرها.

لكن أثرها كان بالغ الأهمية.

فالمشكلة التي بدت وكأنها تحتاج إلى معدات ثقيلة ووقت طويل، أصبح من الممكن التعامل معها بالمياه.

وفي يوم الحرب أصبحت المضخات واحدة من أشهر أدوات العبور.

لكنها لم تكن سوى جزء من منظومة هندسية أكبر شملت الكباري والمعديات والقوارب وفتح الممرات وتجهيز طرق الحركة.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

سادسًا | التخطيط.. الحرب تبدأ قبل إطلاق أول رصاصة

قبل أن تبدأ المعركة على الأرض، كانت هناك معركة على الخرائط.

تصف وثائق وزارة الدفاع المصرية التخطيط الاستراتيجي لحرب أكتوبر بأنه عملية شملت التوجيه السياسي والعسكري، وفكر استخدام القوات المسلحة، وخطط العمليات والخطط التكميلية، وتنظيم التعاون بين القوات، والمراجعة واختبار قدرة التشكيلات على تنفيذ المهام.

بمعنى آخر:

لم تكن هناك «خطة عبور» فقط.

كانت هناك منظومة كاملة للحرب.

ماذا ستفعل القوات الجوية؟

متى تبدأ المدفعية؟

متى تعبر المشاة؟

كيف تُفتح الممرات؟

متى تُنشأ الكباري؟

كيف تتحرك الدبابات؟

كيف يتدخل الدفاع الجوي؟

كيف تُصد الهجمات المضادة؟

وكيف يستمر الإمداد بعد انتقال آلاف الجنود والمعدات إلى شرق القناة؟

كل سؤال كان يحتاج إلى إجابة قبل الحرب.

لأن الخطأ بعد بدء العبور يمكن أن يعني توقف العملية بأكملها.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

سابعًا | مصر وسوريا.. جبهتان في توقيت واحد

لم يكن قرار الحرب مصريًا منفردًا على الجبهة العربية.

جرى تنسيق عسكري مصري–سوري بهدف بدء القتال في توقيت متزامن على جبهتي سيناء والجولان.

وفي أغسطس 1973 عقدت اجتماعات عسكرية مشتركة حاسمة، انتهت إلى الاتفاق على خوض الحرب في أكتوبر.

ثم استقر القرار على يوم السادس من أكتوبر 1973.

وجود جبهتين يعني أن إسرائيل ستكون مطالبة بالتعامل مع قتال متزامن في سيناء جنوبًا والجولان شمالًا.

وأصبح عنصر التوقيت جزءًا من الخطة الاستراتيجية نفسها.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

ثامنًا | الخداع الاستراتيجي.. كيف تخفي استعداد جيش للحرب؟

هناك مشكلة تبدو شبه مستحيلة:

كيف تستطيع حشد جيش وتجهيز قوات لعبور قناة كاملة دون أن يعرف خصمك متى ستهاجم؟

كان على مصر أن تجعل الكثير مما يجري أمام إسرائيل يبدو طبيعيًا.

تحركات عسكرية يمكن تفسيرها باعتبارها تدريبات.

إجراءات لا تكشف أن الحرب أصبحت قريبة.

ومعلومات وإشارات متعارضة تجعل تحديد النية الحقيقية أكثر صعوبة.

وهكذا أصبحت خطة الخداع الاستراتيجي جزءًا أساسيًا من الإعداد للحرب.

الهدف لم يكن أن تعتقد إسرائيل أن مصر لن تحارب أبدًا.

الهدف الأهم كان ألا تعرف على وجه اليقين:

متى ستبدأ الحرب؟

وفي الحروب، قد تكون ساعات قليلة من المفاجأة أثمن من أسلحة كثيرة.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

تاسعًا | لماذا السادس من أكتوبر؟

اختيار يوم الحرب لم يكن مصادفة.

دُرست عوامل عسكرية وطبيعية وعملياتية متعددة.

حالة المد والجزر في قناة السويس.

سرعة التيار واتجاهه.

ساعات الإضاءة.

طبيعة الجبهتين المصرية والسورية.

قدرة القوات على تنفيذ مراحل العملية.

إلى جانب دراسة العطلات الإسرائيلية وتأثيرها على التعبئة والاستعداد.

وجاء السادس من أكتوبر 1973 موافقًا العاشر من رمضان 1393 هـ، كما وافق يوم «يوم الغفران – Yom Kippur» في إسرائيل.

لكن اختيار اليوم كان جزءًا فقط من المعادلة.

بقي السؤال الأصعب:

متى تبدأ الحرب خلال اليوم؟

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

عاشرًا | الساعة الثانية.. توقيت خارج المتوقع

عادة ما ترتبط الهجمات العسكرية الكبرى بأول ضوء أو آخر ضوء.

لكن حرب أكتوبر بدأت في منتصف النهار تقريبًا.

وحددت ساعة الصفر عند نحو الثانية ظهرًا، وبدأ التنفيذ الفعلي للهجوم في الثانية وخمس دقائق.

كان التوقيت نتيجة حسابات تتعلق بالعملية المصرية والجبهة السورية وظروف الإضاءة والزمن المطلوب لتنفيذ مراحل القتال قبل حلول الظلام.

وعند الساعة 14:05 من يوم السادس من أكتوبر 1973، انطلقت الطائرات المصرية لتنفيذ الضربة الجوية، وبدأت المدفعية تمهيدها النيراني، ثم بدأت عملية العبور.

لكن هذه اللحظة لم تكن بداية قصة أكتوبر.

كانت نهاية ست سنوات من الاستعداد…

وبداية الحرب.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

وفي النهاية..

بين يونيو 1967 وأكتوبر 1973 تغير الكثير.

جيش أُعيد بناؤه.

رجال خاضوا حرب الاستنزاف.

دفاع جوي أقام حائط الصواريخ.

مهندسون بحثوا عن حلول لمشكلات العبور.

قوات تدربت مرارًا على مهامها.

قيادات وضعت الخطط واختبرتها.

ومؤسسات دولة استعدت للحرب.

ثم جاءت خطة الخداع لتضع كل ذلك خلف ستار من السرية حتى اقتربت ساعة الصفر.

لهذا فإن نصر أكتوبر لا يمكن فهمه من خلال مشهد العبور وحده.

فالعبور الذي شاهده العالم في السادس من أكتوبر بدأ في الحقيقة قبل ذلك بسنوات.

بدأ يوم قررت مصر أن الهزيمة ليست نهاية الحرب.

وأن استعادة الأرض تحتاج إلى أكثر من الشجاعة وحدها.

تحتاج إلى:

العلم + التدريب + السلاح + المعلومات + التخطيط + الخداع + الإرادة.

وعندما اجتمعت هذه العناصر…

جاءت الساعة الثانية ظهرًا.

وبدأ العبور.

━━━━━━━━━━━━━━━━━━

المقال القادم | 02/04

السادس من أكتوبر.. اليوم الذي عبر فيه المصريون المستحيل

ماذا حدث في الساعات الأولى من الحرب؟

كيف بدأت الضربة الجوية والتمهيد المدفعي؟

وكيف عبر آلاف الجنود قناة السويس تحت النيران؟

وكيف سقطت تحصينات خط بارليف؟

وكيف استخدم المهندسون المياه لفتح الساتر الترابي، ثم أقاموا الكباري التي عبرت فوقها الدبابات إلى سيناء؟

في المقال الثاني من «أكتوبر.. ملحمة النصر» نعيش يوم السادس من أكتوبر من ساعة الصفر إلى تثبيت أقدام القوات المصرية شرق القناة.

#أكتوبر_ملحمة_النصر
#نصر_أكتوبر
#حرب_أكتوبر
#حرب_الاستنزاف
#السادس_من_أكتوبر
#ساعة_الصفر
#حائط_الصواريخ
#القوات_المسلحة_المصرية
#الجيش_المصري
#خط_بارليف
#العبور
#سيناء
#مصر
#جورنال_مصر_العظمى
#GreatEgyptJournal

أخبار ذات صلة