الأربعاء 2026/10/28

مليارات الدولارات الخليجية تستثمر في زراعة صحراء مصر.. من توشكى إلى شرق العوينات

مليارات الدولارات الخليجية تستثمر في زراعة صحراء مصر.. من توشكى إلى شرق العوينات

استثمارات سعودية وإماراتية ومباحثات توسع كويتية تعيد رسم خريطة التنمية الزراعية المصرية.. أكثر من 7 مليارات دولار استثمارات زراعية إماراتية وفق تقديرات رسمية سابقة، ومشروعات كبرى للراجحي والعقيل والخريف والظاهرة وجنان تستهدف استصلاح الصحراء وزيادة الإنتاج وتطوير الصناعات الغذائية.

جورنال مصر العظمى | الاقتصاد والاستثمار – العقارات والبنية التحتية

✍️منة الله زكريا ـــ  أكتوبر 2026

مشروعات الاستثمارات الخليجية في الزراعة المصرية وحقول الري المحوري في توشكى وشرق العوينات
الاستثمارات الخليجية في زراعة صحراء مصر – جورنال مصر العظمى

لم تعد الاستثمارات الخليجية في مصر مقتصرة على المشروعات العقارية والسياحية والفندقية والمراكز التجارية، بل امتدت منذ سنوات إلى واحدة من أهم القطاعات المرتبطة بالأمن القومي والاقتصاد الوطني، وهو قطاع الزراعة والإنتاج الغذائي.

ففي قلب الصحراء المصرية، وعلى مساحات واسعة من الأراضي التي كانت تفتقر إلى البنية الأساسية اللازمة للزراعة، تعمل شركات سعودية وإماراتية على إقامة وتشغيل مشروعات للاستصلاح الزراعي وإنتاج المحاصيل الاستراتيجية، بينما تتطلع مجموعات استثمارية كويتية إلى توسيع أنشطتها في الزراعة والتصنيع الغذائي والثروة الحيوانية.

ومن توشكى بمحافظة أسوان إلى شرق العوينات بالوادي الجديد، مرورًا بالصالحية ووادي النطرون، أصبحت الصحراء المصرية مجالًا للاستثمارات الإنتاجية التي تجمع بين رأس المال والخبرة الزراعية وتكنولوجيا الري الحديث.

ولا تقتصر هذه الاستثمارات على زراعة القمح والذرة والمحاصيل الأخرى، بل تشمل كذلك إنشاء شبكات الري وحفر الآبار وتطوير البنية الأساسية وتشغيل المعدات الزراعية الحديثة، إلى جانب مشروعات التعبئة والتخزين والتصنيع الغذائي.

واللافت أن حجم الحضور الاستثماري الخليجي في الزراعة المصرية يُقاس بمليارات الدولارات؛ فقد أعلن وزير الزراعة المصري الأسبق السيد القصير، في فبراير 2022، أن الاستثمارات الإماراتية في الإنتاج الزراعي بمصر تجاوزت 7 مليارات دولار.

ورغم أن هذا الرقم يعكس التقديرات المعلنة في ذلك التوقيت، ولا يمثل حصرًا محدثًا لعام 2026، فإنه يوضح حجم الاهتمام الخليجي بالقطاع الزراعي المصري، باعتباره مجالًا استراتيجيًا يجمع بين الفرص الاقتصادية والأمن الغذائي.

لماذا تتجه مليارات الاستثمارات الخليجية إلى الزراعة المصرية؟

محصول البطاطس بعد الحصاد في مزارع رخاء بمنطقة شرق العوينات في مصر.
حصاد البطاطس في مزارع رخاء بشرق العوينات، أحد نماذج الاستثمارات الزراعية السعودية في مصر.

 

تتمتع مصر بمجموعة من المقومات التي تجعلها وجهة مهمة للاستثمار الزراعي العربي، في مقدمتها موقعها الجغرافي، وخبراتها الزراعية المتراكمة، وحجم سوقها المحلية، وقربها من الأسواق الأفريقية والعربية والأوروبية.

كما شهدت السنوات الماضية توسعًا كبيرًا في تنفيذ مشروعات البنية التحتية، بما يشمل الطرق والمحاور وشبكات الكهرباء ومحطات المياه والري والموانئ والمناطق اللوجستية.

وتكتسب هذه المشروعات أهمية خاصة بالنسبة إلى الاستثمارات الزراعية الكبرى، لأن استصلاح الأرض لا يبدأ بمجرد تجهيز التربة وزراعة البذور، بل يتطلب توفير المياه والطاقة والطرق والمعدات والخدمات اللازمة لاستمرار الإنتاج.

ومن ناحية أخرى، تمتلك بعض المجموعات الاستثمارية الخليجية خبرات في إدارة المزارع الصحراوية واسعة المساحة، واستخدام أنظمة الري المحوري والميكنة الزراعية والتكنولوجيا الحديثة.

ويتيح الجمع بين هذه الخبرات والموارد المتاحة في مصر فرصًا لتطوير مشروعات إنتاجية تخدم السوق المحلية، وتوفر منتجات قابلة للتصدير، وتدعم الصناعات الغذائية المرتبطة بالمحاصيل.

كما أصبح تأمين إمدادات الغذاء وتنويع مصادر الإنتاج من الاعتبارات الاقتصادية والاستراتيجية المهمة لدى دول الخليج، خاصة مع تقلبات الأسواق العالمية وتزايد التحديات المرتبطة بسلاسل الإمداد.

7 مليارات دولار.. استثمارات زراعية إماراتية تعكس حجم الشراكة الاقتصادية

حقول عباد الشمس في إحدى المزارع السعودية بجنوب مصر ضمن مشروعات الاستثمار الزراعي الخليجي.
إنتاج عباد الشمس في إحدى المزارع السعودية بجنوب مصر، ضمن مشروعات التنمية والإنتاج الزراعي.

في فبراير 2022، أعلن الدكتور السيد القصير، وزير الزراعة واستصلاح الأراضي المصري آنذاك، أن حجم الاستثمارات الإماراتية في الإنتاج الزراعي بمصر تجاوز 7 مليارات دولار.

وجاءت التصريحات خلال فعاليات معرض إكسبو دبي 2020، على هامش ندوة تناولت مستقبل الزراعة في مصر وفرص الاستثمار في القطاع.

ويمثل هذا الرقم أحد أبرز المؤشرات المعلنة عن حجم المشاركة الإماراتية في الأنشطة الزراعية المصرية، وإن كان يحتاج إلى تحديث رسمي يوضح توزيعه على الشركات والمشروعات والمراحل المختلفة.

وتضم خريطة الاستثمارات الإماراتية شركات تعمل في زراعة الحبوب والأعلاف والموالح والمحاصيل الأخرى، إلى جانب أنشطة التعبئة والتصدير والتجارة الزراعية.

وتأتي شركة الظاهرة الزراعية وشركة جنان ضمن أبرز الأسماء المرتبطة تاريخيًا بمشروعات الاستصلاح والإنتاج الزراعي في مصر.

كما شهد القطاع دخول استثمارات إماراتية أخرى في مجالات المزارع التجارية والإنتاج البستاني وسلاسل الإمداد الغذائية.

الراجحي السعودية.. مشروع زراعي عملاق في توشكى

تُعد مجموعة الراجحي السعودية من أبرز الأسماء المرتبطة بمشروعات استصلاح الأراضي في جنوب مصر، وتحديدًا منطقة توشكى بمحافظة أسوان.

فقد دخلت استثمارات الراجحي الزراعية إلى مصر ضمن خطط تطوير الأراضي الصحراوية وإقامة مزارع واسعة المساحة تعتمد على أنظمة الري الحديثة.

ويعرض الموقع الرسمي لشركة الراجحي الدولية للاستثمار مشروع توشكى ضمن مشروعاتها الزراعية، بمساحة إجمالية تبلغ 100 ألف فدان، تشمل زراعات للقمح والذرة الصفراء والفول ومحاصيل الأعلاف.

وتجسد هذه التجربة توجهًا نحو الاستفادة من المشروعات القومية للبنية الأساسية في تحويل الأراضي الصحراوية إلى مناطق إنتاج زراعي.

وفي يناير 2022، أظهر تقرير لوزارة الزراعة المصرية أن المساحة المنزرعة ضمن أحد نطاقات الأراضي المخصصة لشركة الراجحي في توشكى بلغت نحو 10.8 آلاف فدان، من إجمالي مساحة مخصصة تقارب 24.8 ألف فدان في النطاق الذي شمله التقرير.

وتختلف هذه الأرقام عن المساحة الإجمالية للمشروع المعلنة على موقع الشركة؛ إذ يتعلق بعضها بمخططات المشروع الأوسع، بينما يعكس بعضها الآخر مراحل محددة من التخصيص والزراعة الفعلية.

وتبرز أهمية استثمارات الراجحي في كونها إحدى التجارب المبكرة لرؤوس الأموال السعودية في مشروعات الزراعة الصحراوية الكبرى بمصر.

العقيل السعودية.. استثمارات زراعية وصناعية منذ عام 1987

لم يبدأ اهتمام المستثمرين السعوديين بالأراضي الزراعية المصرية خلال السنوات الأخيرة فقط، إذ تعود بعض التجارب إلى عقود سابقة.

ومن أبرز هذه التجارب مجموعة العقيل الاستثمارية، التي يوضح موقع شركة شرق العوينات التابعة لها أنها بدأت الاستثمار في مصر عام 1987.

وتعمل المجموعة من خلال شركات متخصصة في الاستصلاح والتنمية الزراعية والثروة الحيوانية والخدمات الفنية المرتبطة بالمزارع.

وتضم أنشطتها شركة شرق العوينات للتنمية الزراعية، والشركة المصرية الأمريكية للتنمية الزراعية والعمرانية، والشركة السعودية المصرية للحفر والاستصلاح.

وتشمل الزراعات التي تعرضها المجموعة القمح والشعير والذرة والبطاطس والفول السوداني والبرسيم، مع الاعتماد على أنظمة الري المحوري.

كما تمتد أنشطتها إلى حفر الآبار وتنفيذ شبكات الري وإدارة المزارع، بالإضافة إلى مشروعات لتعبئة الحاصلات الزراعية وتجهيزها للتصدير.

وتوضح تجربة العقيل أن الاستثمار الزراعي الناجح لا يقتصر على شراء الأرض أو استصلاحها، وإنما يحتاج إلى منظومة متكاملة من الخدمات والمعدات والخبرات الفنية والتسويق.

الخريف ورخاء.. 24 ألف فدان ومشروعات للتوسع في التصنيع الغذائي

تُعد شركة رخاء للاستثمار الزراعي والتنمية واحدة من أبرز نماذج الاستثمار السعودي المشترك في مصر، وترتبط بمجموعة الخريف التجارية السعودية ومساهمين سعوديين آخرين.

وفي أبريل 2025، كشف عبد الله الخريف، العضو المنتدب للشركة، أن رخاء تدير نحو 24 ألف فدان بنظام حق الانتفاع في منطقة شرق العوينات، تزرع منها نحو 10 آلاف فدان.

وتشمل المحاصيل القمح والبطاطس وبنجر السكر والبرسيم، إلى جانب خطط مرتبطة بالتوسع في أنشطة الإنتاج والتصنيع الزراعي.

كما أعلنت الشركة آنذاك اعتزام طرح حصة تصل إلى 30% من أسهمها في البورصة المصرية، في خطوة تستهدف توسيع قاعدة التمويل وتطوير أعمالها.

ولم يتأكد من المعلومات المتاحة تنفيذ الطرح بالفعل حتى تاريخ إعداد هذا التقرير.

وتكمن أهمية تجربة رخاء في انتقال النشاط من مفهوم الاستصلاح الزراعي إلى التفكير في الصناعات القائمة على المحاصيل، ومنها تجهيز البذور وتجفيف المنتجات الزراعية والتصنيع الغذائي.

فكلما ارتبطت المزارع بمشروعات صناعية وخدمية، زادت فرص تحقيق قيمة مضافة وخلق أنشطة اقتصادية جديدة حول مناطق الإنتاج.

الظاهرة الإماراتية.. استثمارات بمئات الملايين من الدولارات في توشكى والعوينات والصالحية

تأتي شركة الظاهرة الزراعية الإماراتية في مقدمة الشركات الخليجية العاملة في القطاع الزراعي المصري.

فبحسب بيانات وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية التي نُشرت في أكتوبر 2024، بلغت استثمارات الشركة في مصر نحو 250 مليون دولار، من خلال مشروعات زراعية في توشكى وشرق العوينات والصالحية.

وأوضحت البيانات أن الشركة تعمل بالسوق المصرية منذ عام 2007، وتدير ثلاثة مشروعات زراعية رئيسية تمتد على مساحة تقارب 67 ألف فدان.

وتشمل أنشطتها زراعة القمح والذرة والمحاصيل الأخرى، إلى جانب إنتاج وتصدير الموالح.

وفي نوفمبر 2024، كشفت الشركة عن مباحثات للحصول على مساحات إضافية تقارب 80 ألف فدان، باستثمارات متوقعة تبلغ نحو 200 مليون دولار.

وتضمن برنامجها المعلن أيضًا استصلاح ألفي فدان إضافية من الأراضي القائمة باستثمارات تقارب 400 مليون جنيه خلال عامين.

وتوضح هذه الخطط حجم اهتمام الشركة بزيادة حضورها في الإنتاج الزراعي المصري، وإن كانت المساحات الجديدة والأرقام المستقبلية تظل مرتبطة باستكمال التعاقدات والتنفيذ الفعلي.

اتفاقية جديدة بقيمة 500 مليون دولار لتوريد القمح إلى مصر

وفي تطور أحدث، أعلنت مجموعة الظاهرة الإماراتية في أغسطس 2026 توقيع اتفاقية تنفيذية مع الهيئة العامة للسلع التموينية المصرية لتوريد القمح، بقيمة تصل إلى 500 مليون دولار على مدى خمس سنوات.

وتأتي الاتفاقية في إطار برنامج لتمويل واردات القمح، بدعم من مكتب أبوظبي للصادرات، استكمالًا لشراكة بدأ إطارها عام 2023.

ومن المهم التمييز بين هذه الاتفاقية والاستثمارات الزراعية المباشرة للشركة داخل مصر؛ فالصفقة تتعلق بتوريد قمح مستورد، وليست إعلانًا عن ضخ 500 مليون دولار جديدة في استصلاح الأراضي المصرية.

لكنها تعكس اتساع العلاقات الاقتصادية الزراعية بين مصر والإمارات لتشمل الإنتاج المحلي والتجارة وتأمين الإمدادات الغذائية.

جنان الإماراتية.. التحول من إنتاج الأعلاف إلى زراعة القمح

تمثل شركة جنان الإماراتية للاستثمار الزراعي إحدى التجارب الخليجية المهمة في مشروعات الأراضي الصحراوية المصرية.

فقد كشفت الشركة في نوفمبر 2013، وفق تقرير لوكالة رويترز، عن تعديل سياستها الاستثمارية في مصر والتوسع في زراعة القمح بدلًا من التركيز على إنتاج الأعلاف وحدها.

وأوضحت الشركة آنذاك أن هذا التوجه جاء في إطار دعم الأمن الغذائي المصري، مع التخطيط لتوجيه إنتاج القمح إلى السوق المحلية.

وارتبطت استثمارات جنان بمشروعات في شرق العوينات ومحافظة المنيا، ضمن توسع سابق في استصلاح الأراضي الصحراوية.

ويعكس هذا التحول أهمية اختيار المحاصيل وفقًا لاحتياجات السوق والاعتبارات الاقتصادية، خاصة في المشروعات التي تمتلك مساحات واسعة وتحتاج إلى إدارة دقيقة للمياه والطاقة.

كما يبرز أن الأمن الغذائي يمكن أن يمثل مجالًا للتعاون الاستثماري بين مصر ودول الخليج، وليس مجرد نشاط تجاري قائم على تصدير المحاصيل.

الغانم الكويتية.. استثمارات قائمة وخطط للتوسع في الزراعة الحديثة

يمتد الاهتمام الخليجي بالزراعة المصرية إلى دولة الكويت، ومن بين الأسماء المطروحة مجموعة الغانم الاستثمارية.

ففي أكتوبر 2024، بحث وزير الزراعة واستصلاح الأراضي مع وفد المجموعة، برئاسة رهام فؤاد الغانم، فرص التوسع في القطاع الزراعي المصري.

وشملت المباحثات استصلاح الأراضي وإنتاج التقاوي والزراعة الذكية ونظم الزراعة المائية، إلى جانب الثروة الحيوانية والداجنة والسمكية والتصنيع الغذائي.

وخلال اللقاء، أوضحت المجموعة أن استثماراتها في مصر تتجاوز 850 مليون دولار، لكنها موزعة على قطاعات متعددة تشمل العقارات والسياحة وإدارة الموانئ والتشييد والزراعة والتصنيع.

وبالتالي، لا يمثل هذا الرقم استثمارات زراعية خالصة.

كما كشفت المباحثات عن اهتمام المجموعة بدراسة مشروعات زراعية وإنتاجية متكاملة في المناطق المحيطة بالبحر الأحمر، وخاصة منطقة برنيس.

ويعكس هذا التوجه إمكانية اتساع الحضور الكويتي في أنشطة الزراعة والتصنيع الغذائي، مع ضرورة التمييز بين الاستثمارات المنفذة والخطط التي لا تزال في مراحل الدراسة أو التفاوض.

من توشكى إلى شرق العوينات.. لماذا أصبحت الصحراء المصرية وجهة للإنتاج الزراعي؟

توشكى وشرق العوينات ليستا مجرد منطقتين صحراويتين بعيدتين عن العمران، بل تمثلان جزءًا من خريطة التوسع الزراعي المصري خارج الوادي والدلتا.

ففي توشكى، اعتمدت مشروعات الاستصلاح على إنشاء بنية مائية واسعة مرتبطة بمياه بحيرة ناصر، إلى جانب شبكات الري والطرق والطاقة.

أما شرق العوينات، فتضم مشروعات زراعية تعتمد بدرجة كبيرة على المياه الجوفية، وتستخدم أنظمة الري المحوري والميكنة الحديثة لإدارة الحيازات الكبيرة.

ويسمح هذا النمط من الزراعة بإدارة مساحات واسعة باستخدام معدات متخصصة، وتخطيط العمليات الزراعية بصورة أكثر تنظيمًا.

لكن نجاح المشروعات يظل مرتبطًا بكفاءة استهلاك المياه، وخصائص التربة، وتكلفة الطاقة، وتوافر العمالة والخدمات اللوجستية، واختيار المحاصيل المناسبة.

فالتوسع الزراعي في الصحراء يحتاج إلى دراسات اقتصادية وبيئية مستمرة، تضمن ألا يتحول النمو السريع في المساحات إلى ضغوط غير مستدامة على الموارد الطبيعية.

القمح والذرة وبنجر السكر.. محاصيل تدعم الأمن الغذائي والصناعة

تكتسب الاستثمارات الخليجية في الزراعة المصرية أهمية إضافية عندما تتجه إلى المحاصيل الاستراتيجية.

فالقمح يمثل أحد أهم المحاصيل المرتبطة بالأمن الغذائي المصري، بينما تدخل الذرة في صناعات الأعلاف والمنتجات الغذائية، ويرتبط بنجر السكر بصناعة السكر ومشتقاتها.

كما تشمل بعض المشروعات إنتاج البطاطس والمحاصيل البستانية والموالح والتمور وغيرها من المنتجات القابلة للتصنيع والتصدير.

ومن شأن زيادة الإنتاج المحلي من هذه المحاصيل أن تساهم في تقليل جزء من الفجوة بين الإنتاج والاستهلاك، وتوفير مدخلات للمصانع، وتعزيز قدرة القطاع الزراعي على تلبية احتياجات السوق.

غير أن مساهمة هذه الاستثمارات في الأمن الغذائي ترتبط بما يُنتج فعليًا ويُطرح في السوق المصرية، وليس بمجرد المساحات المخصصة أو قيمة الاستثمارات المعلنة.

كما تختلف العوائد الاقتصادية بين المحاصيل بحسب تكاليف المياه والطاقة والإنتاج والتخزين والنقل.

من استصلاح الأراضي إلى إنشاء مجتمعات اقتصادية جديدة

لا تتوقف القيمة الاقتصادية لمشروعات الزراعة الصحراوية عند زيادة مساحة الأراضي المنزرعة.

فالمزارع الكبرى تحتاج إلى بنية أساسية وخدمات ومعدات، بما يخلق طلبًا على قطاعات أخرى مثل المقاولات وشبكات الري والطاقة والميكنة الزراعية والنقل والصيانة.

كما يؤدي التوسع في الإنتاج إلى ظهور فرص للاستثمار في مخازن الحبوب ومحطات التعبئة والتغليف والتبريد والصناعات الغذائية.

وقد تنشأ حول هذه الأنشطة تجمعات سكنية وخدمية جديدة، إذا توافرت مقومات الاستقرار والعمل والخدمات الأساسية.

ومن هنا، يمكن لمشروعات الاستصلاح أن تتحول إلى محركات للتنمية الإقليمية، خاصة في المناطق التي ظلت لفترات طويلة بعيدة عن النشاط الاقتصادي المكثف.

ويمثل التصنيع الغذائي عنصرًا أساسيًا لتعظيم هذه الفوائد، لأنه يضيف مراحل إنتاجية جديدة إلى المحاصيل، ويوفر فرص عمل خارج النشاط الزراعي المباشر.

فالاستثمار الحقيقي في الصحراء لا يقتصر على زراعة الأرض، بل يمتد إلى بناء منظومة اقتصادية قادرة على الإنتاج والتشغيل والتصنيع والتصدير.

البنية التحتية المصرية تفتح المجال أمام مزيد من الاستثمارات الخليجية

يرتبط توسع الاستثمارات الزراعية ارتباطًا مباشرًا بتوافر البنية الأساسية.

فكل مشروع كبير يحتاج إلى شبكات مياه وكهرباء وطرق ومرافق لوجستية، بالإضافة إلى أنظمة للري والصرف وإدارة التربة.

وقد شهدت مصر خلال السنوات الماضية توسعًا في مشروعات البنية التحتية، مع استمرار العمل على تطوير مناطق الاستصلاح الكبرى وربطها بمحاور النقل والأسواق.

وتساعد هذه الاستثمارات العامة على تهيئة بيئة تسمح للقطاع الخاص المحلي والعربي بالدخول في مشروعات إنتاجية تتطلب رؤوس أموال كبيرة.

وفي المقابل، يمكن للشركات الاستثمارية أن تساهم في تشغيل الأراضي وتطوير المعدات وتنفيذ بعض المرافق الداخلية وإدارة الإنتاج والتسويق.

ويكتسب هذا التكامل أهميته عندما يؤدي إلى زيادة الإنتاج ورفع كفاءة استغلال الموارد وتوسيع فرص العمل والاستثمار.

هل تقود الاستثمارات الخليجية مرحلة جديدة من التنمية الزراعية في مصر؟

تؤكد التجارب القائمة أن رأس المال الخليجي أصبح جزءًا مهمًا من خريطة الاستثمار الزراعي المصري، خاصة في المناطق الصحراوية الكبرى.

فالراجحي والعقيل والخريف تمثل نماذج للحضور السعودي، بينما تبرز الظاهرة وجنان ضمن الاستثمارات الإماراتية، مع اهتمام كويتي بتوسيع النشاط في الزراعة الحديثة والتصنيع المرتبط بها.

وتختلف مراحل هذه المشروعات بين استثمارات بدأت منذ عقود، ومزارع دخلت الإنتاج بالفعل، وخطط توسع أعلنت في سنوات سابقة، ومباحثات لم تتحول بعد إلى مشروعات مكتملة.

ولذلك، فإن الحديث عن مليارات الدولارات الخليجية يجب أن يُقرأ بوصفه وصفًا لحجم استثمارات تراكمية ممتدة عبر سنوات، وليس إعلانًا عن تدفقات جديدة دخلت القطاع الزراعي خلال عام 2026 وحده.

ومع استمرار الدولة في تطوير مناطق الاستصلاح والبنية الأساسية، تظل هناك فرص لجذب استثمارات إضافية، خاصة في إنتاج المحاصيل الاستراتيجية والتصنيع الغذائي والخدمات الزراعية الحديثة.

الصحراء المصرية.. من أرض غير مستغلة إلى فرصة إنتاج واستثمار

تكشف خريطة الاستثمارات الخليجية في الزراعة المصرية عن تحول اقتصادي يتجاوز الصورة التقليدية للاستثمار في العقارات والسياحة والخدمات.

ففي توشكى وشرق العوينات والصالحية ومناطق أخرى، تتداخل مشروعات استصلاح الأراضي مع خطط زيادة الإنتاج الزراعي، وتوفير المحاصيل الاستراتيجية، وتطوير الصناعات الغذائية.

ويعكس استمرار حضور الشركات السعودية والإماراتية واهتمام المستثمرين الكويتيين بفرص التوسع حجم الإمكانات التي يقدمها القطاع الزراعي المصري.

لكن مستقبل هذه الاستثمارات لا يتوقف على حجم رؤوس الأموال وحدها، بل يتحدد بقدرتها على تحقيق إنتاج مستدام، وتوفير فرص عمل، والحفاظ على الموارد المائية، وزيادة القيمة المضافة للمحاصيل.

فكل فدان يدخل الإنتاج يمثل فرصة اقتصادية جديدة، وكل مشروع زراعي يتكامل مع مصنع أو مركز تخزين أو منظومة نقل يضيف قيمة أكبر إلى الاقتصاد الوطني.

ومن هنا، فإن استثمارات الخليج في زراعة الصحراء المصرية تمثل أكثر من مجرد توسع في ملكية أو تشغيل الأراضي؛ إنها أحد مسارات التعاون الاقتصادي العربي القائم على الإنتاج والغذاء والتكنولوجيا.

ومن رمال توشكى إلى مزارع شرق العوينات، تتشكل خريطة استثمارية تسعى إلى تحويل إمكانات الصحراء المصرية إلى حقول منتجة، وصناعات غذائية، وفرص عمل، وقاعدة اقتصادية تسهم في تعزيز مستقبل الزراعة والأمن الغذائي في مصر.


جورنال مصر العظمى

مصر بعيون مصرية

المصادر والمراجع:

  • تصريحات وزير الزراعة الأسبق السيد القصير عن الاستثمارات الزراعية الإماراتية، فبراير 2022.
  • وزارة الاستثمار والتجارة الخارجية المصرية: بيانات شركة الظاهرة الزراعية، أكتوبر 2024.
  • شركة الراجحي الدولية للاستثمار: بيانات مشروع توشكى.
  • شركة شرق العوينات للتنمية الزراعية: استثمارات مجموعة العقيل السعودية.
  • صحيفة الاقتصادية السعودية: تصريحات شركة رخاء للاستثمار الزراعي والتنمية، أبريل 2025.
  • وكالة رويترز: تقرير شركة جنان الإماراتية وزراعة القمح في مصر، نوفمبر 2013.
  • وزارة الزراعة واستصلاح الأراضي: مباحثات مجموعة الغانم الكويتية، أكتوبر 2024.
  • شركة الظاهرة الإماراتية: اتفاقية توريد القمح إلى مصر، أغسطس 2026.

الوسوم:

#الاستثمارات_الخليجية #الزراعة_المصرية #الاستثمار_الزراعي #الاقتصاد_المصري #توشكى #شرق_العوينات #الصحراء_المصرية #الاستثمارات_السعودية #الاستثمارات_الإماراتية #الاستثمارات_الكويتية #الراجحي #العقيل #الخريف #الظاهرة #جنان #الأمن_الغذائي #استصلاح_الأراضي #التصنيع_الغذائي #جورنال_مصر_العظمى

أخبار ذات صلة